مجرّة في ورقة.
دخل عليّ عبد الله ذلك اليوم بطريقة لا يدخل بها طفل عائد من المدرسة، بل بطريقة أقرب إلى موظف حصل على ترقية، أو قائد عاد من نصر صغير لكنه كافٍ لرفع الرأس! كان يركض، لا يمشي، ويلوّح بورقة يحملها وعيناه تسبقان صوته في إعلان الخبر، قال وهو يلهث من فرط الحماس: ماما… شوفِي! نجمتين” ورفع الورقة أمامي كما لو كانت وثيقة تاريخية نظرت إلى الورقة نجمتان بقلم أحمر هذا كل ما في الأمر لكن يبدو أن “كل ما في الأمر” عند الأطفال… ليس قليلًا كما نظن! كان عبد الله يعيش نشوة كاملة.. الفرح في صوته، الفخر في وقفته، الرضا في تلك الابتسامة التي لا تصطنع نفسها. ولسبب ما، بدل أن أبقى داخل المشهد، وجدت عقلي يهرب إلى المستقبل. قلت في نفسي: “بكرة” يكبر… وتتغير نظرته غداً لن تفرحه نجمتان غداً سيدرك أن الحياة أعقد من هذا غداً… وغداً… وغداً ثم توقفت وسألت نفسي: ولماذا أفترض دائمًا أن الكِبر خسارة؟ لماذا أفترض أن الطفل حين يكبر، سيخسر هذه القدرة الجميلة على الفرح؟ ولماذا لا يخطر لي احتمال آخر: أن المشكلة ليست أنه سيكبر، بل في أننا نحن من كبرنا بطريقة غير موفقة! لأن الحقيقة أن عبد الله لم يكن ساذجًا وهو يفرح بنجمتين بل كان، في تلك اللحظة، يفهم شيئًا ننساه نحن: أن الإنجاز الصغير يستحق احتفالًا حتى لو كان تقديراً بسيطًا يغذي الإنسان. وقفت أتأمل.. كيف أن النجمتين البسيطتين قلبت كيمياء جسمه ورفعت هرمونات السعادة لديه لأعلى مستوى؟ لماذا في عمرنا – نحن الكبار- لدينا شروط للفرح؟ لأننا أصحاب مشكلة مزمنة مع الأشياء الصغيرة نريد من الحياة دائمًا “نجومًا” أكبر ترقية، بيت، مشروع، إنجاز ضخم… وإلا لا نشعر بشيء! أما الطفل، فيصنع مجرّة كاملة من نجمتين وهنا المفارقة نحن نعدّ هذا نقص خبرة لكنني بدأت أراه وفرة حكمة العلم سيقول إن الطفل حين يُمدح أو يُكافأ، تتحرك داخله منظومات الشعور بالمكافأة، ويرتبط الإنجاز بالثقة والرضا أما أنا، فكل ما رأيته ببساطة ولد صغير… فرح لأنه أُحسن إليه وهذا تعريف إنساني عظيم للسعادة السعادة ربما ليست في عظمة ما نملك بل في قدرتنا على الامتلاء بما يصلنا عبد الله لم يسأل: هل النجمتان كافيتان؟ هل يستحق هذا كل هذا الحماس؟ هل غيري حصل على ثلاث؟ هو فرح… وانتهى. نحن فقط من نعقّد الأمور والأطرف أنني، وأنا أراقبه، شعرت أني من يحتاج التربية هنا… لست أنا التي أربيه، بل هو الذي يربي شيئًا فيّ يعلّمني أن الامتنان مهارة وأن الفرح لا يحتاج مبررات ضخمة وأن الإنسان ينمو بالتقدير، لا بالنقص الدائم عدت أفكر: ربما ليس المطلوب أن يكبر عبد الله ويتخلى عن فرحة النجمتين بل أن يكبر، ويحتفظ بها وربما المطلوب مني أنا أيضًا… أن أستعيد شيئًا منها أن أرى النجوم الصغيرة في يومي مهمة أنجزتها, كلمة طيبة سمعتها , صبر نجحت فيه نجوم… لكننا لا نعدّها خرجت من المشهد باستنتاج بسيط: ربما النضج الحقيقي ليس أن تتوقف عن الفرح بالأشياء الصغيرة بل أن تبقى، مهما كبرت، قادرًا أن تدخل إلى الحياة ملوّحًا بورقة وتقول بفخر: “شوفي… نجمتين”