الغذامي : تجربة حياة وقصة صعود..

مشروع نقدي ورؤية فكرية.

د. عبد الله الغذامي - مع الاحتفاظ باللقب العلمي الذي يتجاهله على أغلفة كتبه – علامة فارقة في تاريخ النقد العربي الحديث، لا أطلق هذا الكلام على عواهنه ، ولا أتوسّل به إلى مآرب أخرى ، ولكنني أزعم (على الرغم مما يشجر من خلاف حول هذه المسألة بدوافع متعددة ) أنه بما آثاره من جدل منذ أن ألقى محاضرته عام 1984 في الطائف ، ثم ما أعقب ذلك من حوارات وندوات وردود أفعال بعد صدور كتابه (الخطيئة و التفكير) عام 1985 م قد أحدث حراكاً فكريّاً ونقدياً في الساحة الثقافيّة استغرق مدّة زمنيةً ليست بالقصيرة ، وأثارت حفائظ واستفزت خواطر وحرّكت مشاعر ، واستجلبت شهرةً واسعة وأزمات منظورة وغير منظورة وعرّضت صاحبها لكمائن وخصومات علمية بريئة ومدخولة، ولا يعني هذا بحال من الأحوال غمط حق الآخرين ممن أسهموا بقدرٍ وافر في الحراك الثقافي الإبداعي و النقدي و الفكري ، وقد اغتنمت فرصة حصول هذه القامة النقدية الفكرية على (جائزة الكويت للعلوم الإنسانية و الفنون و الآداب في العالم العربي) لأكتب هذه المقالة ، ليست تعريفاً به فالمعروف لا يعرّف ؛ ولكن جلاء لجهوده وإسهامه المتميّز في حركة النقد العربي الحديث ،وقد كان عليَّ أن أتلمّس طريقي لأصوغ مقالة تحاول استكشاف أبعاد الدور الذي نهض به ثقافيّاً و نقدياً وفكريّاً، وهو الذي لم يُعنَ بكتابة سيرته الذاتية في كتاب مستقل ، ولا زلت أتوقّع أن يدرك حق الأجيال القادمة من المثقفين التعرّف عليه وعلى تجربته بقلمه ، ولعل كتابه (حكاية الحداثة) قد سلّط الضوء على مرحلة من سيرته المهنية و العلميّة ، لقد استضافته وسائل إعلام متعدّدة في حوارات مطولة مذاعة مرئيّة ومكتوبة ، وقد كان علي أن أقضِي ساعات أمام فيديوهات تحدّث فيها الدكتور عبد الله الغذامي في برامج حواريّة عن مواقفه في مراحلَ مختلفة من حياته : طالباً في المعهد العلمي وفي الجامعة ، ومعلماً و مديراً ،ومبتعثاً إلى لندن للدراسة للحصول على درجة الدكتوراه ومعاناته مع المشرفين ، ثم أكاديمياً و ناقداً يشار إليه بالبنان ، فقد عمل مدرّساً في وزارة الدفاع ومديراً لمدرسة الأبناء ، وكان شاهداً على الأحداث الكبرى في الوطن العربي، وصاحب مشروع ثقافي ونقديٍّ وفكريٍّ ، نذر نفسه له وعزف عن المناصب العليا بسبب انهماكه فيه وإخلاصه له ، وكان عليَّ أن أوفّر الوقت لمراجعة بعض كتبه التي أزعم أنني كنت اطّلعت على معظمها وحاولت النظر في فيها قبل أن أتصدّى لكتابة هذا المقال ، ولن أخفي اهتمامي بما كتب ولا استفادتي منها ، وقد مرّ زمن كنت فيه محاوراً من رهط من المريدين والمعارضين لبعض ما طرحه عن قرب حيناً، وعن بعد في أغلب الأحايين ، وذلك في عقد الثمانينيّات ،عبر بعض مقالات و في أعقاب محاضرة عن لغة القصة القصيرة قدمتها في نادي جدة الأدبي ، وأذكر أنني قلت في حوار معه أمام الحضور جميعاً “إنني مستعد أن أجلس أمامه جِلسة التلميذ أمام أستاذه ٍشرط أن يقنعني بطروحاته” وقد كان صيته قد ذاع بعد أن أصدر كتابه (الخطيئة و التكفير) الذي أثار ضجة لعلّ صداها مازال يتردّد حتى الآن في بعض الأحيان ، وقد أعدت قراءة كتابه (حكاية الحداثة في المملكة العربية السعودية) حين عزمت على كتابة هذه المقالة لأنه يناقش قضايا هي من صميم سيرته الذاتية الثقافية التي ألمّ فيها بوقائع مهمة تتعلّق بتجربته النقدية ومشروعه الثقافي كما سبق أن ألمحت ، ولا أنكر أنه وقر في نفسي شيءٌ من المقدمة لا أريد أن أعكّر في حديثي عنها صفو هذه الوقفة الاحتفاليّة التي أرى أنه يستحقها بامتياز، لقد ناقش مفهوم الحداثة ، ومنذ البداية بدا مهتمّاً بوقائع تتصل بسياق حياته شاهداً ومشهوداً له ، حين عرض لسؤال الإعلامي الناقد المعروف محمد نصر الله للدكتور أحمد الضبيب عن عدم ظهور طه حسين سعودي ، و حين تحدّث عن نفسه أمام تحدّي الشعر الحر لثقافته التراثية ، و كان تلميذا في المعهد العلمي بعنيزة آنذاك ، ورفضت جامعة الملك سعود(الرياض آنذاك) قبوله لأنه من خريجي المعاهد العلمية ، وتحدث عما أسماه قطيعة ذهنية بين الجامعة و المجتمع، وأطلق لقب ( الأميرة النائمة) عليها وفي هذا السياق روى قصة (ديريدا) مع (جامعة كامبردج) وتحدّث عن الموجة الثانية للحداثة التي ساق فيها مواقف عدد من الشعراء والمبدعين (محمد العلي و سعد الحميدين وأحمد الصالح وعلي الدميني و فوزية أبو خالد) وذلك في مطلع الستينيّات وسماهم (جيل الكعكة) وربط الموجتين الحداثيتين بسياقهما الاجتماعي ، ووصف المعارضة الثقافية بمصطلح أطلقه عبد الكريم العودة على كتاب أحمد فرح عقيلان (جناية الشعر الحر) وقاده ذلك إلى قصة النادي الثقافي بجدة في سياق اختيار رئاسة النادي ، وقد وصف الغذامي عقيلان بأنه خصم شريف، ومضى في كتابه مُتتبّعاً الظواهر الثقافيّة وتطوّرها في سياق التحوّلات الاجتماعية (ظهور المثقف وهجرة الريف) وظهورالمثقفة ورأى أن نموذجها البارز يتمثّل في (خيرية السقاف) وتحدّث عن الطفرة في مطالع السبعينيّات الميلاديّة ودورها في التنمية الثقافية و العمرانية و الاجتماعية ، و أشار إلى ما أسماه (حداثة السطح) وخلص إلى الموجة الثالثة للحداثة - وفق تتبّعه لتطورها التاريخي - محدّدا لها عام 1985 م (وهو العام الذي صدر فيه كتابه الخطيئة و التكفير) حيث وصفها بالعقدة في الحبكة الروائية أعلى درجات التصعيد و التوتر، و اتّسمت بالحداثة النقديّة مشيراً إلى كتابه (الخطيئة و التكفير ) ذاكراً وصف عبد السلام المسدي وضعه للمصطلحات وترجمتها على الغلاف ب(الأزمة المعرفية) للمؤلف و وافقه عليها ، ويروي قصته مع الصديق الراحل سعيد السريحي و موقفه المضاد للحداثة في أول الأمر و للنقد الثقافي فيما بعد ،وقصة اعتراض المطبوعات على عنوان الكتاب وتدخّل (ابو مدين) و(أبو تراب الظاهري) لفسح الكتاب ، وذكر تشبيه الدكتور فهمي حرب لكتاب الخطيئة و التكفير بكتاب طه حسين (في الشعر الجاهلي) و ذكر أصداء ظهور الكتاب الواسعة والاهتمام الصحفي الكبير الذي بدأته جريدة اليوم وشاكر الشيخ المشرف الثقافي فيها ، وقبل ذلك (مجلة الشرق) التي أقامت ندوة خاصة به، وروى قصة اتّهامه بالسرقة لتشابه غلاف كتاب (الخطيئة و التكفير) مع كتاب نورثروب فراي (تشريح النقد) التي الصقها به محمد عبد الله مليباري (رحمه الله)، ومعه عبد الكريم نيازي ، و قصة السؤال الذي طرحته رئيسة القسم النسائي وردّه المزلزل وأصداء هذا الرد لدى الراحلين : عبد الله الزيد و علي البطل ، وتحدث عن ليلة تدشين الحداثة التي كان فيها المؤيّدون والخصوم وجهاً لوجه ، ثم أشار إلى مقترح الواقعيّة السحرية - وهو ماعرضه الناقد الراحل عابد خزندار- بديلاً للحداثه ورفضه الغذّامي وكذلك اقتراح ( التخيليّة) بديلاً لها ، وعرض في الكتاب لمعاناته في الجامعة وانتقاله إلى جامعة الملك سعود ، وما أسماه ثورة المنابر ،ويقصد بها مهاجمة الحداثة من قبل أئمة المساجد، ومعركته مع الراحل أحمد الشيباني (رحمه الله) وعرض لمحاضرته المبكرة ( المنعطف النقدي بين علم الأدب وعلم المضمون) عام 1984 م ودو الراحل خالد المحاميد (رحمه الله) وقينان الغامدي في نشر المحاضرة بعد تفريغها، وعرّج على موقف الدكتور سعد البازعي، وقد عرض لبعض الجوانب الخاصة بتجربته مع المريدين حين تحدث عن (حمدوس) وكشف عن تعاطفه معه وصبره عليه ، وتحدث عن جماعة منطق النص ورئاسته له والصديق الراحل سعيد السريحي (رحمه الله) نائباً له وأمين المجموعة عثمان الصيني ، والصديق الراحل عالي القرشي رحمه الله (أمين الصندوق) وعضوية قينان الغامدي وخالد المحاميد و أحمد عائل فقيهي وعبده خال وعبد المحسن يوسف ومحمد الثبيتي و عبد العزيز الصقعبي ، لقد تحدث الغذامي في هذا الكتاب فأنصف أصدقاءه وعيّنهم بالاسم ، وأشاد بهم وبإبداعاتهم والتزامهم وكشف عن ملامح الصرامة والجدية والنظام في حديثه عن مجموعة منطق النص، وقوانينها الصارمة وتضحية الشاعر عبد المحسن يوسف بفرصته في إشهاره شاعراً مبدعاً باعتذاره عن أمسية شعرية لتعارضها مع موعد انغقاد المجموعة . ولعل هذه المجموعة كانت نواة (ملتقى النص) في نادي جدة فيما بعد. كان هذا الكتاب أشبه بسيرة ذاتية تتقاطع مع سيرة الثقافة وتطور الحداثة في الساحة الثقافية في المملكة العربية السعودية ، والارتحال إلى بعض ما يداخل الأنفس البشرية من نوازع وعن الوفاء و الالتزام والدفاع عن الموقف والإخلاص للمشروع الثقافي . وقد استمعت إلى الحوار الذي دار بين الغذامي و الإعلامي عبد الله البندر في برنامجه (مخيال) قصة حياتي في ستين عاما ، لفتني منذ البداية حرصه على ورقة كتبها منذ عام 1962 بخط يده ، واعتبرها من ممتلكاته الأثيرة ، واحتفظ بها في كتاب ( مروج الذهب) للمسعودي ، تُبيّن مدى حرصه على أن تكون ضمن مذخوره الثقافي في تلك السن المبكّرة ، واقتناء مثل هذا الكتاب يقتضي وعياً عميقاً بالتراث لايتأتّى لمن هو في مثل سنه ، ولعلني – وأنا من أبناء جيله ؛ بل ولدت في العام ذاته الذي وُلد فيهأ أو بعدي بعام ، قد لفتني أن اهتمامتنا -على اختلاف بيئاتنا - تكاد تكون واحدة ، فهو يقول: كنّا نفرأ الروايات ، ويشير إلى روايات المنفلوطي ، فذكّرني بما كنت مولعاً به من روايات المنفلوطي في المرحلة المتوسطة ؛ حيث كنا نقرأ روايات ماجدولين ،الفضيلة –بول وفيرجيني و الشاعر وكتب المنفلوطي النظرات و العبرات ، وكذلك كتب جبران خليل جبران والروايات البوليسية ؛ أمّا فيما يتعلق بالكتب التراثية التي أشار إليها ، مثل (مروج الذهب) فلم نلتفت إليها إلا بعد نضوج وعينا ؛ وهو ما يدل على ما استقرّ في ذهنه من تخطيط لمشروعه الثقافي الذي أسّس له عبر قراءاته المبكرة ، ودلّت عليه الورقة التي كتبها وبقيت شاهدةً على ذلك في كتابٍ تراثيٍّ أصيل ، وهذا يفسّر حرصه على تلك القصاصة وتثمينها عالياً ، وقد مضى عليها ستون سنة ، وقد أشار إلى نزعته التجديديّة المبكرة على الرغم من انتمائه تعليميّاً إلى المعاهد العلمية التي تمثّل القاعدة المحافظة المتشبثة باالتراث ، ويبدي اعتزازه بالشيخ محمد العثيمين (رحمه لله) وعلمه وجدّيته ، حيث كان يدرّس شرح ابن عقيل الذي لم ندرسه إلا في السنة الأولى في كلية الآداب في جامعة القاهرة (وقد درسناه على يد أستاذنا الدكتور كامل جمعة رحمه الله) وكذلك اقتناؤه لكتاب الكامل للمبرد ، ويطول بي الحديث لو رحت أتقصّى هذا الجانب من ذكرياته؛ ولكن ما لفتني هو صراحته في التعبير عن قلقه المعرفيّ الذي وقف به على بوابة الإلحاد ، ثم عُمق إيمانه فيما بعد وقناعته التي ردّت إليه وعيه بعظمة الذات الإلهية، ما يذكرني بتجربة الغزالي وما مربه ما ساوره من شك طيلة شهور ستة فيما أذكر ثم كانت عودته المحمودة وتحريره لكتابه (إحياء علوم الدين) ، وكذلك الغذّامي الذي آب إلى إيمانه العميق نتيجة قراءاته وتأملاته، وقد لفتني في حواره هذا نزعته العروبيّة وذكرياته عن النكسة ، وهو في السنة الثانية في الجامعة وتحمّسه للتيار الذي كان سائدا آنذاك في الوطن العربي كله لدى أبناء جيلنا، وذكّرني بصديقي الراحل الأديب الكاتب الأردني (غطاس جميل صويص) الذي انخرط في البكاء لدى سماعه بنبأ الهزيمة واستقالة جمال عبد الناصر وإقراره بالهزيمة وكنّا على أبواب امتحان السنة الثالثة في الجامعة ، وأصابنا ما أصاب الغذامي من إحباط ، كما وقر في ذهني أن جيلنا كان موحّد المشاعر في أقطار العروبة كافّة ، ذلك رغم الإحباطات المتتالية وظلّ التمسك بطيف الزعيم المنقذ ، وما ذكره من رثاء لجمال عبد الناصر (ليت قلبي قبل قلبك) ولم تخفت حدّة الانتماء العروبي حتى بعد تجاوز تلك المرحلة، وملاحظته الواعية لما كان يكتبه محمد حسنين هيكل في إحدى كبريات الصحف البريطانية واختلافها عما في مقالاته الأسبوعية في الأهرام تحت عنوان (بصراحة) وعقلانيته في مخاطبة القارىء الانجليزي لدى حديثه عن عبد الناصر وخصوصا في مقالته الشهيرة تلك ، وأذكر أننا كنا ننتظرها ونحرص عليها ، حيث كان ينفد عدد الجمعة من الأهرام بسرعة ، إذ كان يخاطب القارىء الغربي بعقلية الكاتب المستقل الذي يشير إلى انكسارات الهزيمة ؛ فهو يتكلم عن شخصية عبد الناصر بوصفه إنساناً يحزن و يخاف ويتنازل ، ويشير إلى أنه بدأ يتغيّر متسلّحا بالعقل الناقد وبرؤيةٍ موضوعيّةٍ إذ بدأ يلاحظ عبر متابعته ما يدور في الحياة السياسية في بريطانيا والمعارضة وحكومة الظل والنقاش بينهما ، ويستعرض مراحل من حياته العملية : حيث أكسبه ذلك خبرة بلا شك في تقرّي ملامح السلوك العسكري المنضبط ، و في المقابل كان عمله في الإدارة المدرسية واختلاطه بأنماط من الشخصيات في هيئة التدريس في الفترة الصباحية و المسائية الوجه الآخر من الحياة البشرية، فقد أشار إلى ما أسماه مُعجماً من النكت ، وهو الوجه الآخر من اهتمامته الجدّية ومشاريعه الثقافية، بالإضافة إلى رفقته في تلك المدرسة بالأديب المعروف (محمود شاكر) واضطراره إلى الخطابة وحرصه على أن يظهر بمايليق في حضرة تلك الشخصية، وثمة تفاصيل كثيرة تتعلق بانتمائه العروبي ودوره في اللجنة الإعلامية أثناء حرب أكتوبر 1973 وحديثه عن فئات حزبيّة غابت عن المشهد ، وكانت لها آراؤها ، والعلاقات مع مصر وحرب اليمن ما يشير إلى متابعة واعية والتزام مبدئي وتطور دؤوب وملاحظةٍ حصيفة للمراحل التي مر بها المجتمع العربي والتيارات الحزبيّة ، وقد ميز بين الرؤيا و الشعار ، وبدا ذلك واضحاً في تحليله الاقتصادي و الاجتماعي لانفصال سورية عن مصر ، ليس هذا فحسب ؛ فقد أوضح من قبل كيف كانت مقابلته للجنة التي تختار المبتعثين ، ومن خلالها تبيّن له كيف يتم سبر أغوار الشخصية واستخلاصه لمبدأ الصدق أساساً للنجاح، والإيمان بالمبدأ من خلال شرحه لموقفه من التجديد ، وثباته وقدرته على الحِجاج حين سُئل عن بروكلمان وحديثه عن الكوليرا جواباً لسؤال افتراضي يصفه بأنه كان مصيريّاً في قبوله للابتعاث، طرحه الدكتور محمد علي حبشي واستخلاصه لأسلوب إحداث الصدمة للشخص الذي تقابله ، وتتبّع تفاصيل كثيرة في هذا اللقاء الذي كان بوْحاً صريحاً بتجربة حياة منذ بدايتها، وكذلك تفضيله للدراسة في بريطانيا على أمريكا لأسباب تتعلق باهتماماته العلميّة ، و خصوصاً فيما يتصل بالاستشراق و المستشرقين ، فكان يرى أن الاستشراق في أمريكا رخو(على حدّ تعبيره) وأن في بريطانيا مكتبات حافلة بوثائق المستشرقين . ثم حديثه عن بريطانيا والحياة فيها وتجربته التي عرض فيها لظواهر اجتماعيّة وسياسية ومعالم مشهورة (حوارات الهايد بارك) ، ثمة تفاصيل كثيرة عن ظروف ابتعاثه وطموحاته العلمية ومشروعه الثقافي وعزوفه عن المناصب و ما إلى ذلك، وكل هذه الأمور كان لها آثار في تشكيل شخصيته العلمية وبنائه الثقافي ومراحل إنجازه على المستوى الشخصي و العام. وتتبدى ملامح التزامه الوطني والعروبي فيما ذكره عن حرب أكتوبر وعضويته في اللجنة الإعلامية ونشاطه إبان حرب أكتوبر في إطار المجموعة العربية التي تضم أطباء سعوديين ، وأشار إلى نشاطات الجاليات العربية والإسلامية التي تشكلت منها لجان إعلامية وجمعية للتبرع بالدم وتحدث عن نشاطه في المجال الإعلامي وأشار إلى موقف طائفة من الجاليات العربية تتشكل من الحزبييّن السلبيّين ، قاطعوا الأنشطة المساندة لجبهة القتال ، وأشار إلى اتهام الأجانب للعرب في دول النفط وفي مقدمتهم المملكة العربية السعودية بالابتزاز ، وكل ذلك كان دليلاً على انخراطه الكامل في الهمّ العربي والقضية الفلسطينية والتزامه بها منسجماً مع الموقف المشرّف للملكة إبان وقبل وبعد حرب أكتوبر . أما لقاؤه مع جمال الملا في بودكاست (قصص) فقدتناول تفاصيل أخرى وأكّد وقائع سبق أن أشار إليها في أكثر من لقاء تتّصل بمسيرته العلمية و الثقافية ؛ ولكنه ركز في هذا اللقاء حين سئل عن تعريفه للمثقف وصفته بأنه ناقد ثقافي بعد تعريفه للمثقف بأنه الذي لديه الحد الأدنى من التفكير النقدي ، إشارة إلى جمع 160 تعريف للمثقف ، وتحدّث عن الألقاب العلمية والدرجات الأكاديمية فوصفها بأنها مهنيّة وتستعمل داخل أسوار الجامعة ، ضاربا الأمثلة بكبار الأدباء بطه حسين و العقاد ، وناقش قضايا كثيرة تتعلّق بمسيرته والأسس التي ارتكز عليها في التأسيس لمشروعه النقدي و الثقافي وانسياقه مع حركة الشعر الحر على الرغم من ثقافته التراثية ، ومع شعر محمود درويش وشعر المقاومة ، ما دفعه إلى اختيار نازك الملائكة موضوعاً لأطروحة الدكتوراه واضطراره إلى التنازل عنها بناء على طلب مشرفه الجديد بعد سنتين من انهماكه في دراستها، ولذلك كان أول بحث له بعد تخرجه عن نازك الملائكة ، والذي يستوقفنا في هذا المجال أمران : الأول تعلّقه بالتجديد وانعتاقه من ربقة التقليد ، والثاني حصافته في تأمل الموقف وسياقاته ، فمشرفه شاب لايكبره إلا بعقد من الزمان وبقية المشرفين من الكبار في السن ؛ فهو أقرب إلى الانسجام معه وتفهّمه ، حيث خلص إلى قرار حكيم بالاستجابة لرغبته وتغيير موضوع الرسالة على الرغم من خسارته لوقت ثمين من سنيّ بعثته ، ولم يُضع ذلك هدراً؛ بل استغل ما حصّله أثناء دراسته لنازك في بحوث علمية أخرى بعد تخرجه ، وعرض في هذا للقاء لأمور أخرى تتعلق بذوقه الغنائي وميله لأم كلثوم وفيروز ، وأما ما يتعلق بما عاناه في سبيل مشروعه النقدي عند صدور كتابه الخطيئة و التكفير ففيما جاء عنه في كتابه (حكاية الحداثة ) ما يغني ، ولكنه عرض لتفاصيل إضافية تتعلق بمعاناته بعد صدور كتاب الدكتور عوض القرني (الحداثة في ميزان الإسلام ) وقبله شريط الكاسيت الذي أعده سعيد الغامدي مُستَبقاً أستاذه الذي كلفه بجمع المادة المتصلة بهذا الموضوع مشيرا إلى أن القرني لم يقرأ الكتاب معتمداً على أقوال المناهضين للحداثة ، وتحدّث عن موقف الكاتب الراحل أحمد الشيباني مشيداً بمعرفته الفلسفية ومتحدّثاً عن طبعه وطبيعته في الحوار ، ولافتاً إلى ما كان يساوره من مخاوف ، وكذلك ما واجهه من ارتياب حول خطورة ما يمكن أن يتعرض له بسبب موقع الشيباني ومكانته ؛ ولكنه وجد تفهّماً واسعاً من لدن المسؤولين وأولي الأمر مشيداً بتفهّمهم لموقفه وثقتهم به ، وشرح موقفه الوطني ورؤيته لدورهم في توفير الأمن والأمان لمستقبل البلاد و العباد واحترامه وامتنانه لهذا الدور المسؤول . ومن حق الغذامي عليّ - و أنا أتصدى للكتابة عن مشروعه النقدي الذي بدأ به عن وعي بمراحله ومآلاته - أن أتتبّع ولو بإيجازشديد مراحله التي بدأ بها منذ أن كان طالباً في المعهد العلمي ؛ إذ شرع آنذاك كما يتضح من القصاصة التي احتفظ بها بتكوين مذخوره المعرفي عبر القراءة المكثّفة إذ يصف رغبته الجامحة في القراءة بأنه (سوسة كتب) وقد سبق أن أشرت إلى المستوى الرفيع للكتب المختارة في تلك الحقبة المبكّرة ، ومضى في هذا النهج دون انقطاع ، ومعروف أن التراكم الكمّي يحدث تحوّلا كيفيّاً بلا أدنى شك، وقدعزّز هذه القراءة بسعيه إلى التخصص العلمي و الارتقاء في مدارجه أكاديمياً تخصصيّاً متسلّحاً بثقافةً رصينة وتتبّعاً دؤوباً لكل جديد ، فإذا ما اكتملت أدواته انتقل إلى مرحلة تالية في سياقٍ متّصل؛ فبدأ البحث الرصين ليرسي قواعد منهجيّة تستنقذ النقد من سيولة التناول عبر المناهج السياقية المعروفة ، والانتقال به إلى القراءة المنهجيّة عبر مدّ الجسور بين ما هو تراثي وماهو حديث متوفّراً على تقديم المناهج النسقية الحديثة للقارىء العربية، منطلقاً من قاعدة حداثيّة بالمفهوم الثقافي و الحضاري بعيداً عن الأدلجة و التمذهب ؛ فكان كتابه ( الخطيئة و التفكير) الذي جاء على غلافه ما يفيد جمعه للمناهج النصّيّة الحديثة “الخطيئة والتكفير: من البنيوية إلى التشريحية”في سياق تحديث الرؤية النقدية متحرّزا من الاتهام بالتغريب فعمد إلى ربطها بجذور عربيّة تراثية على نحو أو آخر فأحدث بذلك صدمةً استفزّت المحافظين و المجدّدين على حدٍّ سواء مُمهّداً لذلك بمحاضرته الشهيرة عن علم الأدب في الطائف التي أشارت إلى النهج العلمي في قراءة النص . وقد انتقل بعد ذلك ممهدا لمشروعه في النقد الثقافي من خلال ثلاثة كتب تتصل بالأنوثة ،إيذانا بمغادرة مربع جماليات النص بوصفها جوهر النقد الأدبي إلى البعد الثقافي بادئا بمسألة احتكار الرجل للغة في كتابه (المرأة و اللغة ) الذي صدر عام 1996م؛ منتقداً سلطة الرجل وهيمنته على اللغة مُنتصراً لحق المرأة في اجتراح لغتها الخاصة ، وهذه مسألة وثيقة الصلة بالثّقافة ونقض المركزية الاجتماعيّة الفحوليّة، تلاه كتاب (تأنيث القصيدة و القارىء المختلف) الذي صدر عام 1999م رصد فيه بعض ظواهر التحدي الأنثوي لتهميش دورها عبر بعض النماذج الإبداعية النسائية ، ومضي في الاتجاه ذاته، وفي المرحلة الثالثة شهدنا ولادة النقد الثقافي والدعوة له بعد أن صرّح في أكثر من حوار له مع وسائل الإعلام أن النقد الأدبي استنفد أغراضه، ودخل في مرحلة يمكن تسميتها – كما يتضح من حديثه عنها تساوقاً مع التعبير الشعبي ب(الّلت و العجن) تعبيراً عن فقدان الجدوى، وهي تؤذن بمرحلة النضج التي مفادها أن النّص له وجهان: الوجه الجمالي الذي يشي بنسق ظاهر ، وآخر يخفي مُضمرات تتصل بالموروث الثقافي الذي قدم مثالاً توصيفيّا له يتمثل في (الشعرنة) وهو ماقاده إلى مصطلحه الأثير (المؤلف المزدوج) ومن ثم بقية المصطلحات التي شكّلت القاعدة النظرية للنقد الثقافي : المجاز الكلي والتورية الثقافية والجملة النسقية والنسق المضمر ، وفي هذا الكتاب شنّ حملة على مأسماه “الفحولة الشعرية” وكان قد مهد له في كتاب (المرأة و اللغة ) وقد طالت هذه الحملة ثلاثة من أبرز شعراء العرب : المتنبي ونزار و أدونيس ، وقد أوضح أن وصفهم بالنسقيّة لا ينال من مكانتهم إذ يقول (أنا نسقي) وهو يرى أن الشعر العربي عمل على صناعة “الطاغية” و”الديكتاتور” فاستقرّ في العقل العربي توثين الذات وإصابتها بعقدة نرجسية وفق التعبير الذي يلائم ذلك. وبعد أن استقرّت نظريته في النقد الثقافي التزم خطّاً فكريّاً موزياً لمشروعه النقدي ؛ وكان ذلك أمرً طبيعيّا ، تمثل في قائمة ليست بالقصيرة من كتبه : الثقافة التلفزيونية (سقوط النخبة و بروز الشعبي) و(الفقيه الفضائي) و( والقبيلة و القبائلية أو هويات ما بعد الحداثة ) و(ثقافة تويتر :حرية التعبير وحرية الشتم ) ، وهكذا بدا واضحا انتقاله من الرصيد المعرفي إلى المنهجية، ومن المنهجية إلى النظرية، فالمشروع المكتمل ،فالرؤية الفكرية الشموليّة . ومن الواضح أن ما أشرت إليه كله ليس إلا مجرد مؤشرات سريعة لمشروع الغذامي الثقافي الذي آمل أن أستوفيه في كتاب مستقل. بهذا المنجز الثري استحق شرف الحصول على جائزة الكويت التي توّجت مسيرته العلمية، وندعو الله أن يمكّنه من إضافة المزيد إليها وهو في ذروة تمتعه بالصحة و العافية .