أنقذوا التراث.. من صرير الجرافات.

يحتضن العالم خزانة واسعة من المباني الأثرية، متوزعة في جميع أنحاء المعمورة. فهناك القصور والقلاع التاريخية، وهناك المساجد والكنائس، والمعابد. كما أن هناك الكليات والجامعات التي لا تزال مبانيها شاخصة تشهد على تاريخ الشعوب. اهتمت “ منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة - يونسكو” بالمحافظة على هذه الرُقُم التاريخية، التي أصبحت هُويات ت وطنية، وعلمية للشعوب التي بنتها منذ قرون عديدة، وبقيت صامدة أمام عوامل التعرية المناخية الهائجة، والاجتهادات البشرية الغاشمة. وسجلتها كتراث إنساني عالمي. وخاصة المباني العلمية. ومن هذه القلاع الثقافية والتاريخية: جامعة القرويين في المغرب، التي بُنيَت سنة 859 م. وجامعة الأزهر في مصر، التي بنيت سنة 970م. وجامعة بولونيا الإيطالية التي بنيت عام 1088م، وجامعة أكسفورد في بريطانيا، التي بنيت عام 1096م. وجامعة سلامَنْكا في اسبانيا التي بنيت عام 1218م. اعتمدت اليونسكو عددًا من الضوابط والمعايير للحفاظ على المواقع التراثية: من أبرزها ألا يؤدي أي تصرف إلى تشويه القيمة التاريخية، أو الثقافية، أو الطبيعية للموقع، أو الإضرار بالمنظر البصري، أو الهوية المعمارية، أو السياق التاريخي للمكان. وتستند ضوابط اليونسكو في تنظيم التصرّف بالتراث العالمي إلى اتفاقية حماية التراث الثقافي والطبيعي العالمي لعام 1972، وإلى ما يُعرف بـ “الإرشادات التشغيلية لتنفيذ اتفاقية التراث العالمي” وهذه الضوابط لا تمنع التطوير أو الاستخدام مطلقًا، لكنها تفرض أن يكون أي تصرف متوافقًا مع القيمة العالمية الاستثنائية للموقع التراثي. بكيت - تراثيًا - مرتين: المرة الأولى عند مشاهدة الجرافات وهي تهدم المبنى القديم لـ “المكتبة العلمية العامة” في مدينة بريدة التابعة لوزارة التعليم، الواقع شرق الجامع الكبير، وكان أقدم مبنى شُيد بالإسمنت والخرسانة المسلحة في منطقة القصيم. لقد تردد على ذلك المبنى العريق الذي كان تحفة عمرانية فقهاء كبار، وعلماء بارزون. منهم سماحة الشيخ عبد الله بن محمد بن حميد، ومعالي الشيخ محمد بن ناصر العبودي. والمرة الثانية عندما كنت أسير – قبل عدة أيام - في طريق الملك عبد العزيز في مدينة الرياض، فرأيت مشهدًا يا ليتني لم أره. رأيت الجرافات تمزق مبنى وزارة المعارف – سابقًا – وتحطم أركانه، ذلك الجسد العريق الذي احتضن البدايات المبكرة للتعليم النظامي في المملكة. مبنىً تعطر برائحة الملك فهد بن عبد العزيز رحمه الله – حين كان وزيرًا للمعارف – وانطلقت منه أفواج المبتعثين، الذين أسهموا ببناء السعودية الحديثة. كما وُلِدَتْ فيه وترعرعت المشاريع المبكرة للتعليم العام، وتعليم المكفوفين، والصم والبكم، وذوي الاحتياجات الخاصة. وكنت أحلم أن يتحول المبنى إلى متحفٍ للتعليم في المملكة... ولكن هيهات، فقد آثرت وزارة التعليم البُعد المالي، على المكسب الثقافي. لقد تهشمت في خيالي قناديل الأمل، عندما رأيت الجرافات تهشم المبنى العريق. هناك سؤال لم أسمع إجابة شافية عنه: هل نحن صادقون – حقًا – عندما نقول إننا نحب تراثنا؟ أم أنها مجرد مقولة نرددها ببغاوية، من غير أن ندرك مضامينها العميقة؟ فلا يزال بعضنا مسكونين بالتحسس من الماضي، مقابل ادعاء الحداثة، ولو كان على حساب تراثنا العريق. الذي لم يكن ماضيًا فحسب، بل كان جزءًا مبكرًا من مستقبلنا. فهل يا ترى أصبح الاستثمار العقاري أغلى من تراثنا الحضاري؟ ولأن المباني التراثية تعتبر أصولًا اقتصاديةً، لا عبئًا عمراني. وحيث أن المملكة عضو في “اتفاقية حماية التراث الثقافي والطبيعي العالمي” فإنني أتمنى من قيادتنا الرشيدة، وهي الحارس الأمين لتراثنا العريق، التفضل بالتوجيه بحصر المباني الحكومية التراثية، وتسجيلها في سجل التراث العالمي، قبل أن تفتك بها الجرافات التكنوقراطية. ويا ليت وزارة التعليم تعيد الرؤية تجاه المباني المدرسية العريقة، فليس لدينا مخزونٌ كافٍ من الدموع لنبكيها.