قراءة التاريخ!
في قراءة التاريخ من المهم أن نعيد الاعتبار للدولة الأموية، والتحفيز لقراءتها مرة أخرى بعيون غير عيون التنوير الفكري المزعوم، أو الذي يسمّي نفسه تنويرا، فقد أقصيت الدولة الأموية وهضم حقها من كل هذا التاريخ المجيد الذي صنعته الخلافة الأموية، ولعمري إن تاريخ الأندلس وحده مفخرة من مفاخر هذه الدولة، ناهيك عما كان في المشرق. لقد كان تاريخ الأندلس تاريخا مشرقا ومشرّفا في بناء الإنسان وعمارة البنيان والقيام بحق الدين دعوة وتوسّعا، وإن ظهرت العصبيّات القبلية إلا أنّ ذلك ليس هو القيمة المهيمنة على هذا التاريخ، فهو جزء من طبيعة الصراع الكوني في العالم، ولكن ذلك لا يعني أن الدولة الأموية لم تكن ذات صبغة حضارية، بل إن الأمويين على ما لاقوه من فتن في الداخل والخارج، تتمثل في الخوارج، والتشيّع، إضافة إلى التربص من الخارج، إلا أنّ الخلفاء في ذلك الوقت قاموا برسالة الإسلام خير قيام، وحتى بعد السقوط في المشرق نهضوا في المغرب وعمروه وأقاموا للإسلام دولة فتيّة استمرّت ثمانية قرون، ربما هي أساس حضارة الغرب اليوم، وهي التي أضاءت لأوروبا مسالك الطريق فكانت لهم منارا حضاريا عرفوا به معنى التنوير والبحث العلمي والطبيعي. لست أدري لماذا يُغيَّب هذا التاريخ فلا يظهر منه سوى ما يتعلّق بالعصبيات، مع أن ذروة الدولة الأموية كانت في هيبتها وامتدادها وقيامها بالتأثير الحضاري في العالم أكثر مما قامت به الدولة العباسية ذات النَّفَس الفارسيّ؟ هل هو نَفَسٌ شعوبيّ وطائفيّ تدثّر به المفكّرون ضد العنصر العربيّ والسنيّ وإن كان ذلك باعتبار التأسيس؟ لا أستطيع أن أنفي، في هذا السياق، التبرّم من الحسّ الفقهي الاتّباعي من وجهة نظر الطرح الذي ينتقص الدولة الأموية، وهذا، في نظري، ما جعل جلّ المفكّرين، إن لم يكن كلّهم، يبدأ من لحظة التدوين باعتبارها لحظة البدء، وربما في نظر البعض الآخر هي لحظة الابتكار كما هي المعادل الموضوعي لثورة الموالي على العرب. أعتقد أننا في حاجة إلى قراءة التاريخ بعيون جديدة وفكر جديد، فكر لا يتحرّج من مواجهة المد الفكري المعاصر الذي يهضم حق العرب باعتبارهم خارج السياق الحضاري، وهم، في حقيقة الأمر، الأساس الأوّل في بناء حضارة العالم. أقول هذا وليس في ذهني إقصاء مذهبي أو عنصري، كما لا أدعو إلى مجرّد التغنّي بالماضي، ولكن من باب إعادة النظر فقط في التاريخ وقراءته قراءة منصفة تنفي عنه التحيز الأيديولوجي الذي تراكم في الأطروحات الفكرية المعاصرة فجعل من الدولة الأموية مؤسسة للاستبداد والقمع السياسي والفكري، مع أن العباسيين كانوا أكثر قمعا بدليل ما حدث في فتنة خلق القرآن للإمام أحمد، وما أحدثه المعتزلة من فرض وصايتهم على العلم والمعرفة في عهد المأمون. هل أبدو قريبا من المنطقة المحرّمة في المساس بالتاريخ الإسلامي؟ هل هذا التفكير دخول في متاهة التشظّي وإغفال الوحدة الشعورية والمعرفية تجاه هذا التاريخ المجيد بكل خلافاته واختلافاته؟ ربما، إن لم أكن أنا أيضًا على أعتاب تفكيرٍ مؤدلج، غير أنّه من الضروري أن نتأدلج ساعةً من نهار لنرى بشكل أوضح الأيديولوجيا في الضفة الأخرى وهي تعيد قراءة التاريخ وبناءه وفق ما تريد وما تتصوّر في انتقاء ربما يحتاج هو الآخر لكي تتضح الصورة إلى انتقاء مضاد وإعادة قراءة للقراءة ذاتها التي لا ترى في التاريخ الأموي سوى تاريخ للاستبداد في مقابل الثورات التي أحاطت بها فجُعِلت نموذجا للفكر التأسيسي في قراءة التراث قراءة حداثية معاصرة.