كثيراً ما ننسى ما حفظناه خلال سنواتنا الدراسية من معلومات في شتى المجالات، لكن ما يبقى محفوراً في عقولنا و قلوبنا هو ما عشناه من تجارب و مشاعر خلال مسيرة حياتنا. فلماذا يذوب الحفظ على نحو سريع، بينما تخلد التجربة في أعماقنا؟ نشأ العديد من الأطفال و المراهقين في الماضي و البعض منهم في وقتنا الحالي كذلك سنين دراسية أولى مليئة بمفاهيم التلقين، و بكيفية إمساك المعلومة بمختلف الطرق، بالكتابة و بالترديد و التكرار، ليتم سطرها في أوراق الاختبارات ثم طيها في صفحات النسيان. البعض من هذه المعلومات قد يصاحب الإنسان منذ طفولته و حتى يبلغ رشده، لكن العديد منها قد يبهت مع الوقت حتى يغدو و كأنه لم يكن، و السبب الرئيسي وراء ذلك هو أن الحفظ لا يعني بالضرورة الفهم، و ليس كافياً ليمنح المعرفة الأثر الذي يبقى. الحفظ ما هو إلا عملية ذهنية قائمة على تخزين المعلومة تخزيناً مؤقتاً لاسترجاعها في وقت لاحق، معلومة قد لا تعني للإنسان شيئاً على الصعيد النفسي و الشخصي، و لا ترتبط بحياته بأي سياق أو إحساس. بينما الفهم عملية معرفية قائمة على ربط المعلومة بالمعنى و التجربة و الشعور، مما يمنحها قيمة معنوية و تعبيرية ثابتة و ذات مرتبة أعلى من تلك المبنية على تجميع المعلومات فحسب. لا يُقصد بالفكرة هنا التقليل من أهمية اكتساب العديد من الحقائق العلمية و المعلومات الدراسية خلال مختلف المراحل عن طريق التلقين و الحفظ، فهي خطوة و مهارة أساسية لا يمكن الاستغناء عنها في بناء المعرفة، لكن الإشكالية تتمحور حول تحول التعليم إلى عملية قائمة على الحفظ فقط من غير فهم أو ربط بالمهارات الحياتية الأساسية، و في أن يبذل الطالب جهوداً جبارة في حفظ معلومات سرعان ما تتلاشى مع الوقت، لأنها ببساطة بقيت سطحية و لم تمنح حقها في الفهم و الاستيعاب. بين الحفظ و الفهم مسافات شاسعة من الاختلافات، منها على سبيل المثال أن الحفظ كمهارة ذهنية قد تتلاشى تدريجياً مع تقدم السن و مرور السنين، بينما الفهم يزداد عمقاً و قوة، لأنه يقوم على تراكم التجارب و النضج المصاحب لها. هذا الاختلاف الجوهري بين الحفظ و الفهم يفتح باباً واسعاً للتأمل و التفكر في المقاصد الحقيقية المرجوة من التعليم، هل تُبنى أهداف التعليم على حشد المعلومات مهما كان الثمن، أم على مبادئ بناء الإنسان و تغذية وعيه؟ و هذا ما يدفع بالحديث إلى زاوية أكثر عمقاً، تتعلق بكيفية عمل الدماغ البشري بناءً على ما أشارت إليه الدراسات العلمية، من بينها تلك التي نُشرت عام ٢٠٢٠ م و التي ناقشت كيفية نجاح الدماغ في دمج المعلومات الجديدة مع المعرفة السابقة، بدلاً من تخزينها بشكل منفصل. هذه الدراسة ركزت على محورين رئيسيين، هما: توافق المعلومات الجديدة التي يتلقاها الدماغ مع المعرفة السابقة المخزنة فيه، بالإضافة إلى عملية إعادة تنشيط المعرفة القديمة أثناء العملية التعليمية. بمعنى أن المعلومة تُفهم بشكل أفضل عندما تكون منسجمة مع معرفة سابقة متواجدة في الدماغ، حيث يدمجهما سوياً و تصبح المعلومة بشكلها الجديد أكثر ثباتاً، كما أكدت الدراسة أن استرجاع و إعادة إحياء المعرفة السابقة أثناء التعلم يعزز القدرة على تذكرها. أثبتت هذه الدراسة ما تم مناقشته سابقاً بأن الدماغ لا يتعامل مع المعلومات على كونها وحدات منفصلة يتم حفظها فحسب، بل كشبكة مترابطة و منسجمة تُبنى من خلال دمج المعرفة السابقة بالجديدة، ربطاً يرتكز على الفهم و الاستيعاب، و هي الحقيقة التي تعزز فكرة أن التعلم المعتمد على التجربة و الفهم و العاطفة، و الممتد إلى وصل المعلومة الجديدة بما تم تخزينه مسبقاً في الدماغ، أعمق أثراً و أكثر رسوخاً في الذاكرة من التلقين و الحفظ الذي يخبو أثره مع الزمن. من هذا المنطلق العلمي، تبرز مجموعة من العوامل التي تُضعف من قوة التلقين و تجعل أثره محدوداً في الذاكرة، منها التلقين السلبي للمعلومات المنشودة من دون أي تفاعل، و غياب السياق الذي يربط المعلومة بالحياة الواقعية و المواقف الشخصية، بالإضافة إلى التكرار غير الهادف، و تحويل العملية التعليمية إلى ممارسة آلية لا ذهنية، مما يفقدها قيمتها و يلوث مساعيها. على النقيض من التلقين، يُشكل الفهم و الاستيعاب الأساس الحقيقي للتعلم الذي يدوم، فالمعرفة التي تُفهم لا تُحفظ فحسب، بل تُبنى في الدماغ البشري على هيئة شبكات متصلة قادرة على البقاء، كونها مقترنة بالخبرات الحياتية و التجارب المعيشية. كما أن الاستيعاب في حد ذاته يجعل من التعلم امتداداً للحياة اليومية، لا مجرد معلومات عابرة، فالنفس البشرية تميل بطبيعتها نحو ما يُفهم و يُعاش، لا ما يُلقن و يُحفظ، لأن ما يرتبط لديها بالسياق المعيشي الواقعي هو كالنقش الذي لا يمحوه الزمان، مقارنة بالتلقين المعزول عن المعنى و الشعور. عودة إلى الأساليب التعليمية المبنية على التلقين منذ الطفولة، فتأمل بسيط فيها يجعلنا نستذكر بأننا كُلفنا من حين لآخر بالقيام بمشاريع علمية، نشارك فيها المعلومات على شكل صور و حكايات و مجسمات، قمنا فيها بربط الخيال بالواقع. هذه الأساليب لم تكن عشوائية أو بلا فائدة، بل ربما كانت هي أبرز المحطات التعليمية في طفولتنا، و قد تكون من أهم ما بقي راسخاً في ذاكرتنا حتى اليوم، حيث إن أغلب ما نتذكره من تلك المرحلة ليس الدروس فحسب، بل تلك المشاريع و الأنشطة التي شاركنا في صناعتها بأيدينا، كونها ارتبطت في أدمغتنا و نفوسنا بمفاهيم التجربة و المشاركة و المناقشة مما جعلها جزءاً لا ينسى من وعينا حتى اليوم، و شكلت فصلاً هاماً من بنيتنا المعرفية و النفسية على المدى البعيد. ختاماً، الهدف من التعليم هو بناء الإنسان، أخلاقياً و فكرياً و عقلياً و نفسياً و مهارياً، ليصبح عضواً قادراً على توظيف هذه المعرفة في خدمة ذاته و محيطه، و على إنشاء أجيال تليه ذات عقول متأملة و شخصيات مستقلة ناضجة، تدرك أن أرقى أصناف المعرفة هي تلك التي يتم البحث عنها لا تلقيها، و تلك التي تحيي قيمة الفهم في النفوس، و تلك التي لا يُقاس أثرها بتقييم الآخرين و أحكامهم بل بالمعايير الشخصية. القيمة الحقيقية للإنسان أسمى من أن تختزل في نظرات الآخرين أو ما تم سطره في صفحات الاختبارات من درجات متفاوتة، بل ما يدركه الإنسان عن نفسه و إن جهله العالم أجمع، كما أن الطريق لم يُغلق بعد أمام من كانت طفولته مبنية على التلقين، فالتعليم رحلة ممتدة يمكن إعادة تشكيلها في أي لحظة. فمن رأى أن نفسه تستحق فقط تلقي المعلومة و حفظها و ترديدها فله ذلك، و من رأى نفسه عزيزة و أراد أن يرتقي بها بتحويل معرفته إلى مسؤولية شخصية لا تقتصر على الصفوف الدراسية بل على مرافقة الكتب و تحليل النصوص و مواجهة التجارب و المشاعر ليلاً و نهاراً فله ذلك، و كما قال الأديب مصطفى الرافعي: “مقامك حيث أقمت نفسك، لا حيث أقامك الناس، فالناس لا تعدل و لا تزن”. فلكل منا الخيار، إما الذبول حفظاً و تكديساً و إما الإزهار وعياً و إدراكاً.