حياة متقاعد (1)
أمثالنا العربية كثيرة ومتعددة الأهداف والرسائل. وهناك أمثال شعبية بلهجات محلية لكل مجتمع. بعضها راقي الكلمات، وأخرى توغل في كلمات غير (مؤدبة)، وهذه غالبا ما تكون أكثر تأثيرا وأعظم فائدة، ويظل أسباب نجاح مفعولها سرا عند العرب في قواميسهم الشعبية. في هذا الجانب أذكر أحد البرامج الإذاعية المصرية، كانت مهمتها تعديل هذه الأمثال الشعبية، حيث يتم استبدال الكلمات الخارجة عن (الذوق) العام بكلمات أخرى مقبولة. كل هذا لجعل استعمالها مقبولا قبل أن تنقرض بفعل سيادة الحياء. كان ذلك قبل طوفان قلة الحياء وسيادته في العالم. وقد تعود هذه الأمثال إلى سابق عهدها مع طوفان انفراط حبل حضارة القيم. من هذه الأمثال الهادفة التي تعلقت بها في حياتي: [ما طار طير وارتفع الا كما طار وقع]. وجدت نفسي في قبضته عصفورا بريئأ ليس له حيلة. مثل عربي يغني عن الكثير من محاضرات الاستعراض والتباهي. جاء يسعى من أقصى أعماق التفكير والتأمل في مسيرة حياتي الشخصية كمتقاعد. تذكرته حبيبا مع حقائق ما عشته وأعيشه. وجدت نفسي أتبضع في سوق أبعاده.. عبرة، ودرسا، وحكمة، وأشياء أخرى أمتنع عن ذكرها.. خشية خطأ الفهم العربي. وجدت نفسي ذلك الطائر في هذا المثل. بالتأكيد هناك أخرون يعيشون حالة المثل بطريقة وأخرى. العرب بجانب قدراتهم الطائرة، والإسهاب في الكلام.. لديهم القدرة على ايجاز الكلام في جمل قصيرة توحي وتقول.. أشبه بـ”كبسولات” أدوية تحمل بداخلها حبيبات الدواء. تتفجر على مراحل داخل المعدة، قالوا عنها: هي بيت الداء والدواء. تأتي أمثال العرب دليلا على ادعائي هذا. هنا استدعي وصف أحد مشاهيرهم: “عبدالله القصيمي” بقوله: [العرب ظاهرة صوتية]. بالتأكيد هو عربي، ويعرف مداخلهم اللفظية والفكرية وجميع مخارجها على العالم الخارجي. بكلامه أصبح هو ظاهرة تنظيرية مشوقة، وممشوقة المعنى والرمز. لن أتوقف.. بل أضيف.. العرب مجموعة ظواهر، أرى أنها حميدة في حال تم توظيفها بشكل مناسب، مع حضور روح الهداية النفسية ومزاجها. نجدهم، أي العرب حفظهم الله، في كل مجال يهيمون انتاجا وإبداعا، فهم ظواهر أفكار، ومزاج، وجهل، وتجاهل، وعلم، ونبوغ، وعواطف تفور كما تفور قهوتهم العربية على وعائها. أيضا هم ظاهرة مواقف متناقضة. هم أشبه بسوق عظيم يشبه اسواقهم الشعبية، تظهر في كل يوم من أيام الأسبوع. بعضها يحمل أسماء الأيام، منها سوق الخميس في محافظة الأحساء، وسوق السبت في محافظة بلجرشي. أذكر هذه الأسواق بالذات لكثرة ذكرياتي معها. ثم زدت عليها سوق الأحد في مدينة جلاسجو في اسكتلندا أثناء دراستي. كل هذه الأسواق تحمل في غلافها ظواهر شعبية، تسوق لكل شيء، وأعني ما أقول. خاصة سوق الأحد الاسكتلندي الشهير في قارة أوربا بكاملها. ذكرت تلك الظواهر كمقبلات لما سيأتي من وجبات دسمه، أطبخها لكم كمتقاعد. هدفي تمريرها لكم بدون مرارة. أعرف أن كل متقاعد يحمل كيسا من الأدوية المرة، فكل جزء من جسمه بحاجة الى عكاز اصطناعي مصمم ومشيد من الأدوية العلاجية. يسعون لإطالة سنين عمره ليشعر بالأهمية، وهم يحضون بالدعاء المجاني منه. يعتقدون أن حاله صلح واقترب من الله أكثر. تبادل منافع نفسية لا غير. الكل مرجهن. ويستمر الحديث.