ثمة مثقفون يمرّون في المشهد الثقافي مثل عابرين مهذّبين، يلوّحون للأفكار من بعيد ثم يمضون، وثمة آخرون يدخلون إلى الفكرة كما يدخل المحارب إلى معركة لا يريد النجاة منها بقدر ما يريد اختبار شجاعته. ومرزوق بن تنباك من هذا الطراز النادر، رجلٌ لم يتعامل مع الثقافة بوصفها وظيفة أكاديمية، ولا مع الأدب باعتباره زينة لغوية، بل بوصفهما ساحةً مفتوحة للأسئلة الثقيلة، والأسوار التي ينبغي هدمها، والأفكار التي لا بد من إخراجها من طمأنينتها القديمة إلى قلق المعرفة. خرج من بيئة بدوية تحمل صرامة القبيلة وبلاغة الصحراء، لكنه لم يذهب إلى المدينة ليخلع جلده الأول، بل حمله معه إلى الجامعة والمنبر والصحافة والكتاب. لذلك بدا مختلفاً حتى وهو يجلس داخل المؤسسة الأكاديمية؛ كان أقرب إلى مثقف يراقب المؤسسة من الداخل، لا إلى موظف يذوب فيها. تلك الازدواجية صنعت شخصيته الفكرية: عقل أكاديمي صارم، وروح بدوية نافرة من التدجين. في تجربته لا يبدو الأدب منفصلاً عن الاجتماع، ولا اللغة بعيدة عن السلطة، ولا التراث معزولاً عن النقد. كل شيء لديه قابل للمساءلة. ولذلك لم يكن غريباً أن يثير الجدل في أكثر من محطة، لأنه لم يكن معنياً بإرضاء الذائقة العامة بقدر ما كان معنياً بتحريك المياه التي نامت طويلاً. لقد مارس النقد باعتباره فعلاً ثقافياً كاملاً، لا مجرد قراءة نصوص. وكان يدرك أن المجتمع العربي كثيراً ما يحوّل المرويات إلى يقينيات، ثم يحيطها بسياج من القداسة الاجتماعية، ولذلك اتجه إلى المناطق التي يتجنبها الآخرون، لا حباً في الإثارة، بل رغبة في اختبار الحقيقة نفسها. وحين يُذكر اسم مرزوق بن تنباك، فإن كثيرين يتذكرون فوراً كتابه “الوأد عند العرب بين الوهم والحقيقة”، ذلك الكتاب الذي لم يكن مجرد دراسة تراثية، بل كان إعلاناً واضحاً عن طريقته في التفكير: مراجعة المسلمات، والعودة إلى النصوص الأولى، ومحاولة تحرير التاريخ من الروايات التي تراكمت فوقه. لقد دخل إلى منطقة شديدة الحساسية، وعرف مسبقاً حجم العاصفة التي ستواجهه، لكنه مضى إليها بهدوء الباحث لا بانفعال المحرّض. سبع سنوات من التنقيب والتمحيص قادته إلى نتائج صدمت كثيرين، غير أن الأهم من النتيجة نفسها كان ذلك النموذج الثقافي الذي مثّله: المثقف الذي لا يخاف من السؤال حتى لو وقف وحده في منتصف الساحة. ولأن معاركه لم تكن معارك استعراض، فقد بقي هادئاً في أكثر لحظات الهجوم عليه. لم يتحول إلى خطيب شعبوي، ولم يغرق في ردود الأفعال، بل حافظ على نبرة الباحث الذي يعتقد أن الفكرة لا تُهزم بالصوت العالي، بل بالبرهان. وهذه السمة بالذات هي ما جعل حضوره مختلفاً، فهو ليس من المثقفين الذين يتغذون على الخصومة، وإنما من أولئك الذين يرون الجدل نتيجة طبيعية لأي محاولة تفكير جادة. في مشروعه أيضاً نزوع واضح إلى تحرير اللغة من الشعارات. لقد تعامل مع العربية باعتبارها كائناً حيّاً لا متحفاً مقدساً. لذلك كان مشغولاً بالفصحى، وبعلاقتها بالتحولات الاجتماعية والثقافية، وبالمسافة بين اللغة بوصفها هوية، واللغة بوصفها ممارسة يومية. لم يكن ينظر إلى اللغة بعين الحارس المرتعب، بل بعين المثقف الذي يريدها قادرة على الحياة، لا مجرد محفوظات مدرسية جامدة. وفي جانب آخر من تجربته، كان مرزوق بن تنباك ناقداً لمصطلحات كثيرة استقرت في الخطاب الثقافي العربي دون مساءلة. اعتراضه على مفهوم “الأدب الإسلامي” لم يكن موقفاً ضد الدين، بل ضد التصنيف المغلق الذي يحوّل الأدب إلى لافتة أيديولوجية. كان يرى أن الأدب أوسع من أي قيد جاهز، وأن الإبداع لا يعيش داخل الأسوار المحكمة. ولهذا بدت كتاباته وكأنها معركة مستمرة ضد الاختزال، اختزال الإنسان، واختزال اللغة، واختزال الفن، واختزال التاريخ. وعلى الرغم من حضوره الأكاديمي الطويل، إلا أنه لم يتحول إلى أستاذ جامعي تقليدي. ظل محتفظاً بملامح المثقف المشاكس الذي لا يرتهن إلى الإجابات النهائية. حتى طريقته في الحديث تحمل شيئاً من السرد العربي القديم؛ جمل طويلة لكنها مشبعة بالإيقاع، وأفكار تتقدم بثقة رجل يعرف جيداً ماذا يقول ولماذا يقوله. كان يمكن لمن يستمع إليه أن يشعر بأنه أمام راوٍ قديم أكثر منه أمام أكاديمي حديث، وهذا ما منح شخصيته الثقافية نكهتها الخاصة. لقد عاش أكثر من نصف قرن في قلب الثقافة السعودية، شاهداً على تحولات المجتمع واللغة والإعلام والفكر. رأى الصحافة الورقية في ذروتها، وعايش صعود التلفزيون، ثم انفجار الفضاء الرقمي، لكنه لم يبدُ مبهوراً بالتحولات التقنية بقدر اهتمامه بتحولات العقل نفسه. كان يرى أن المشكلة ليست في الوسائط، بل في طريقة التفكير التي تنتقل عبرها. لذلك ظل منحازاً إلى الفكرة العميقة حتى في زمن السرعة والاختصار. مرزوق بن تنباك ليس مجرد اسم في قائمة الأكاديميين السعوديين، بل حالة ثقافية كاملة؛ صورة للمثقف الذي اختار الطريق الأصعب، طريق السؤال المفتوح. إنه نموذج للمثقف الذي يجرؤ على الاقتراب من المناطق المحرّمة دون أن يفقد اتزانه، ويختلف دون أن يتحول إلى صاخب، ويؤمن بأن المعرفة لا تتقدم إلا حين تتعرض الأسئلة القديمة لإعادة النظر. ولذلك بقي حضوره ممتداً، ليس لأنه يكرر نفسه، بل لأنه ظل قادراً على إثارة السؤال ذاته بصيغة جديدة كل مرة، فهو واحد من الأصوات القليلة التي ما تزال تذكّرنا بأن الفكر الحقيقي يبدأ دائماً من الشك، لا من الاطمئنان.! (*) كاتب وصحافي سعودي