د.صالح هويدي يفتح ملف السرد..

مقاربات نقدية تكشف ثراء الحكايات العربية القديمة.

يمتلك العرب تُراثاً سردياً بالغ الثراء والإدهاش، وهو لا يقل عما للعرب من تراث شعري، بل ويرى البعض أن كثيراً من نماذج التراث السردي العربي تتفوق في بُعدها التخييلي ودلالاتها الاجتماعية والسياسية وإمتاعها العقلي، على المنجز الشعري العربي. وفي كتابه “فتنة السرد.. مقاربات نقدية في السرد الحكائي العربي”، يذهب الأكاديمي والباحث والناقد العراقي الدكتور صالح هويدي، إلى القول بأن “إغفال العرب لتراثهم السردي يعود لانشغالهم بالشعر أكثر من سواه في موروثهم الثقافي ونتاجهم الإبداعي. وقد انقسم العرب إلى فريقين في نظرتهم للفنون الأدبية وأجناسها وأنواعها قديماً وحديثاً، حيث رأى فريق أن فنون القصة والرواية والمسرح والملحمة عند العرب موجودة قديمة عندهم، وربما سبقت ظهورها لدى الغرب خاصة؛ ورأى الفريق الثاني أن هذه الفنون في شكلها الفني الذي نعرفه، والمصطلح الأدبي الدال عليها، ليست موجودة عند العرب، وأن موقف الباحثين العرب الذين يزعمون وجودها منذ القدم، ليس سوى ضرب من ضروب الميكانيزم الدفاعي عن الذات التي لا تريد أن تبدو مفتقرة لتلك الفنون. وهنا تأتي أهمية كتاب الدكتور صالح هويدي والذي أورد فيه الكثير من المقاربات في هذا الموضوع، حيث يبحث الكتاب - الصادر عن معهد الشارقة للتراث – في ضرب من ضروب السرد العربي القديم الذي أخذ أشكالاً عدة، وتسميات كثيرة دالة على مرويات سردية، تأخذ شكل الحكاية أو الحكاية المتلفعة في هيئة الخبر، مورداً أسباب ذلك في مقدمة الكتاب وتمهيده. وقد حاول مؤلف الكتاب أن ينطلق من النصوص السردية الحكائية لمقاربتها مقاربة نصية، في شيء من الحنو والتدبر والإنصات لصوتها، مع الصبر في التأمل والاستنطاق. ويشير المؤلف في كتابه إلى أن السرد الحكائي العربي تعرض لضروب من الإهمال والتهميش، وربما الازدراء – وفقا لقوله - ولا سيما أنه ارتبط بطبقات الشعب الدنيا التي كان يطلق عليها تسميات عدة مثل: العامة، والدهماء، وكان أغلب أبطاله من الصعاليك الممسوسين والساخرين الذين وصفوا بالحمقى والمغفلين. لكن الدكتور صالح هويدي، يرى في كتابه “فتنة السرد.. مقاربات نقدية في السرد الحكائي العربي”، أن هذه النظرة تغيرت عند العرب، حين ازدهرت دراسات هذه الألوان الأدبية الشعبية والفلكلورية في الغرب، إثر ظهور مناهج حديثة على أيدي نقاد وباحثين غربيين كُثُر، وقد أدى ذلك إلى ظهور دراسات عربية مهمة في مجال السرد والنظر إليه، وتصنيفه والكشف عن ظواهره، على أيدي باحثين متخصصين. وهكذا فإن ميدان السرد العربي القديم بقي ميدان واسع، يفوق في حدوده ومظانه عالم الشعر، وهو بحاجة إلى جهود فرق ومؤسسات، تنوء بها إمكانات الأفراد، للكشف عن أسراره وسحره. ونتعرف من الكتاب على أن الأنواع والأجناس والفنون جميعًا، ليست سوى تعبير إبداعي عن حاجة إنسانية مجتمعية وثقافية في الدرجة الأولى، وأنه ليس هناك ثمة فن ينشأ من فراغ أو من دون بواعث تقتضيه، أو دواع تحتمه. ومن ثم، فقد لا تقتضي بيئة ما ظهور هذا الفن، كما تقتضيها البيئة الأخرى. ولكل أمة أو مجتمع ألوان يمتاز بها عن سواه. وأن العقل الإنساني والخيال البشري واحد في النهاية، لا تفوّق لعقل على آخر، بسبب العرق أو الدم أو اللون أو العنصر. وبحسب فصول وصفحات الكتاب، فقد قاد الإنصات إلى روح النصوص واستنطاقها إلى النفاذ إلى حقيقتها التي تتجاوز قشرتها الخارجية التي توقفت عندها كثير من الدراسات التقليدية، لتكشف لنا عن أن كثيرًا من هذه السرود لم تكن نوادر، أو حكايات مرحة ،أو أخبارًا أو حكايات حمقى ومغفلين بقدر ما كانت سرودًا حكائية اتخذت من تلك العناوين التي خلعها عليها القراء والباحثون والرواة ومنشؤها، أقنعة لتمرير رسائلها ورموزها وبناها الكنائية بطرائق فنية تحتمل الوجهين معًا. حيث بلغت هذه السرود آفاقا فاقت أفق توقع القارىء المعاصر، مذكرة إياه بالروح العبثية، وأجواء الفانتازيا الفنية التي كثيرا ما وقفنا عليها في نصوص السرد الغربي الحديث. وقد حرص مؤلف الكتاب على التعامل مع الحكايات السردية – التي تناولها بالدراسة والبحث - بوصفها نصوصًا سردية تخييلية وليست مرويات واقعية أو حكايات موثقة وقائع ما. وقد قسّم الدكتور صالح هويدي كتابه إلى ثلاثة أقسام بجانب مقدمة وتمهيد احتوى على تصوّر أولي أوليًا عن واقع السرد العربي وضروبه، وكمه إذا ما قيس بفن العرب الأول الشعر، إلى جانب الأهمية التي اكتسبها هذا السرد لدى العرب قبل الإسلام وفي أثنائه، واختلاف هذه المواقف حدة واعتدالا. والموقف من القص، والسرد الحكائي والقصة القصيرة جداً. وقد تناول المؤلف في القسم الأول من كتابه، حكايات السرد الفانتازي، ويُطالع القارىء في ذلك القسم على مقاربات لـ 24 حكاية. وفي الفصل الثاني يتناول المؤلف السرد العبثي، حيث نقرأ مقاربات لـ 16 حكاية. وفي القسم الثالث من الكتاب، تناول المؤلف حكايات السرد التعبيري، حيث تكوّن ذلك القسم من الكتاب على مقاربات لـ 22 حكاية. ويروي لنا الدكتور صالح هويدي في كتابه “ فتنة السرد.. مقاربات نقدية في السرد الحكائي العربي”، عن ذلك الشعور الذي صاحبه منذ أن بدأ بكتابة فصول هذا الكتاب وحتى انتهى من جميع صفحاته، حيث عاش نشوة اكتشاف ما لم يكن في حسبانه من قيمة “هذا المنجز الباذخ” من السرد الذي رأى فيه إرهاصات ونواة لما يعرف اليوم بـ “فن القصة القصيرة جداً”، أو “السرد الوامض” كما يُحب المؤلف أن يُطلق عليه. لكن ووفقا للمؤلف، فإن عدم انطلاق كتاب القصة من ذلك السرد الوامض للبناء عليه مُبكرًا، قد حال دون أن يكون للعرب في هذا الفن السردي قصب السبق. وفي هذا السياق يُشير المؤلف إلى التفاتة عدد من الكتاب المُحدثين لاستثمار معطيات هذا التراث الزاخر، وما يتفرّد به من ذكاء ومهارة. بقي أن نُشير إلى أن ما يزخر به التراث العربي من نصوص وأنواع سردية، يفسر لنا قيام الكثير من الباحثين مع ظهور ملامح أي فن سردي أو درامي جديد في الأدب العربي الحديث، إلى المسارعة بعدّه امتداداً لما في التراث العربي، وهو ما حدث مع القصة والرواية والمسرحية وصولا إلى القصة القصيرة جدا، التي تُعد الفن السردي الأحدث في الحركة الأدبية العربية. يُذكر أن الدكتور صالح هويدي، كان قد نال شهادة الماجستير في البلاغة والنقد الأدبي والأدب المقارن، من جامعة القاهرة، ونال شهادة الدكتوراه في الأدب الحديث ونقده، من جامعة بغداد، ويشغل منصب مدير تحرير مجلة «المورث»، المجلة البحثية المحكمة التي يصدرها معهد الشارقة للتراث بالشارقة منذ العام 2016، وله عشرات المشاركات البحثية بالمؤتمرات والدوريات المختلفة، كما عمل في العديد من الجامعات، وانضم لعضوية العديد من المجلات الثقافية، بجانب إصداره لقرابة 25 كتابًا تدور في فلك التراث والأدب والثقافة