يُطالعنا الشاعر حسين آل دهيم في مجموعته زند بعالمٍ شعريٍّ لا يكتفي بالوصف، بل يمارس النحت في طين الذاكرة والوجود. نحن أمام تجربة مخبريّة باذخة، تُعيد صياغة الأشياء المتروكة والأحاسيس العالقة في حواف الزمن؛ لتُخرجها في هيئة صور شعريّة شديدة الكثافة وعالية الانزياح. أولًا: فلسفة الزَند كعتبة تأويلية اختيار عنوان زند هو تعبير عن فلسفة القوة والقبض والاتصال. الزند هو الجسر الذي يربط الفعل، اليد بالجسد، وهو مكمن السند. في هذه المجموعة، يصبح الشعر هو الزند الذي يربط الذاكرة بالواقع، والميثولوجيا الشخصية بالوجود الكوني. يقسم آل دهيم رحلته إلى ثلاث عتبات: العربة، العجمة، الغمغمة، وكأنه يقودنا في رحلة من الوضوح الجذري إلى التجريد الوجداني المطلق. ثانيًا: زند العربة.. الاتصال بالأُسّ في فاتحة الديوان، نجد انغماسًا في ميثولوجيا المكان الأولى. الشاعر هنا لا يكتب ذكريات، بل يكتب أساطير قادمة من بئر التمر. تتحول الهوية الشخصية إلى كيان أسطوري، فالأب يتحول إلى حوت أحدب، والجدّ يراود المدافن ببعض البكاء. في نصوص مثل “رستة الرفاع”، يظهر المكان ككائن حي له مسامات، واللغة هنا تتسم بصلابة الأرض وجزالتها، حيث يمدح آل دهيم الأُسّ بوصفه الأساس الذي لا يمكن الانفصال عنه لتدوين ميلاد الرجل الشقيّ. ثالثًا: زند العجمة.. ترويض الغموض الجميل ينتقل آل دهيم في القسم الثاني نحو منطقة أكثر تركيبًا. العجمة هنا ليست انغلاقًا، بل هي براعة في جعل المستحيل ملموسًا. نجد لغة سريالية تراثية مدهشة في نصوص مثل “ولولة العراة حزة الهجير” و”انتباهة الضرير”. الشاعر يمتلك مختبرًا لغويًّا يحول فيه حليب الأيائل وصنّاع المسامير إلى رموز دلالية تشير إلى الكدح الإنساني والألم الذي يُصاغ بجمال. اللغة في هذا الجزء تصبح صلصالًا يُعاد تشكيله بعيدًا عن الصور النمطية والمباشرة المستهلكة. رابعًا: زند الغمغمة.. بلاغة الحذف والتكثيف يبلغ الديوان ذروته في قسمه الأخير، حيث نصل إلى مرحلة الغمغمة، وهي لغة الهمس الذي يتطلب إنصاتًا كليًّا. العناوين هنا غارقة في التأويل “القلب لا يولغ لسانه في الأسياح” و”الأصابع تفتدي رقعة الشطرنج” وغيرها. في هذا القسم، يتخلى الشاعر عن فائض الكلام لصالح بلاغة الاختزال، فتصبح الجملة الشعرية ومضة تختزل عالمًا كاملًا. هنا، لا يبحث آل دهيم عن شرح الحقيقة، بل يستمتع بغرقها كما في نص “أنت الحقيقة وأنا غرقها”. خامسًا: السمات الفنية والاشتغال الصوري ما يميز زند بشكل عام هو عدة ركائز فنية. -الانزياح اللغوي: القدرة على خلق صورة صادمة بجمالها من دون الاعتماد على التشبيهات المباشرة، بل عبر بناء علاقة جديدة بين الأشياء، كقوله في إحدى تجلياته البصرية المدهشة الذي باع جسده للخرازين، حيث تتحول المفردة عنده من مجرد وصف إلى نحتٍ حاد يمنح الصورة ثقلًا وجوديًّا مباغتًا. -أنسنة الجماليات: تحويل الوقت الهجير، والأدوات المزامير، الزجاج، والجسد الأصابع، العيون إلى أبطال فاعلين في النص، مما يمنح الشعر ثقلًا ملموسًا. -الاقتصاد اللغوي: الشاعر يكتب بالحد الأدنى من الكلمات ليحقق الحد الأقصى من المعنى، تاركًا مساحات بياض واسعة لوعي القارئ. ختامًا إن مجموعة زند للشاعر حسين آل دهيم هي دعوة لإعادة اكتشاف طاقة اللغة على التجدد. إنها تجربة تنأى بنفسها عن السائد، وتؤسس لجمالية خاصة تعتمد على أنزيمات الذاكرة وخيوط الزمن. إنه ديوان يُقرأ بالحواس، حيث لكل كلمة وزن، ولكل بياض معنى، ليظل الزند شاهدًا على قدرة الشعر في القبض على جوهر الكينونة. *شاعرة وفوتوغرافية