ربما نظّل نهيم في مدارات متعددة، إلى أن نجد مدارا واحدا نلتقي عنده ، حيث تجتمع الأزمنة عنده بعد أن تمتد وتعتق، ولا تنتهي، لأجد نفسي في تلك النقطة الجامعة لذلك المدار، في (أسبانيا - الاندلس) الشرق والغرب، وطالما أشغلتني تلك البقعة من الأرض، ملتقى الحضارتين، التي تفرعت، بكل متناقض ومؤتلف، سياسة وأدبا ،طبيعة وقصور ونوافير وحدائق وأنهار وأشعار، غزل وعشق، ومكائد واغتيال، موسيقى وتصوف، أندماج تشهده المعالم الباقية، والمستحدثة. وربما الصدفة في ذاك اليوم حين هاتفت صديقة لي لتخبرني أنها في أسبانيا، وأخبرها في نفس اللحظة أنني متوجهة لحضور أمسية احتفائية بصدور كتاب الأستاذ محي الدين اللاذقاني ( في الطريق إلى بيت ولادة) في دار العين للنشر . بين المهاتفة والحضور أجد نفسي في خضم تاريخ قرأت عنه الكثير، ولكني أجد نفسي اليوم لاهثة ، وأنا أعبر صفحاته بحثا عن ذاك البيت، وأعيد قراءة أشعارولادة ، المراة التي جال ذكرها، كأول امرأة عربية تنشئ صالونا أدبيا يتبارى فيه الرجال شعرا، ويتنافسون بحب امرأة،. في الطريق إلى بيت ولادة، كتاب جديد للشاعر والأديب محي الدين اللاذقاني، رحلة بين الأزقة والطرقات، ندخل فيه من بوابة زمنية، ونمر بالكثيرمن الشخصيات التاريخية، القديمة والحديثة، من أدباء ومفكرين وسلاطين، رحلة يمتزج معها الفكر والفلسفة والرؤية التحليلية للأحداث التاريخية. يقول الكاتب: ذات لحظة شغف وحنين في قرطبة، قررت أن أبحث عن بيت ولادة بنت المستكفي، كان المنفى قد استطال ورحل الشعر والفكر كما قال ابن مدينتها القرطبي موسى بن عزرا يحتاج لمسقط رأسه، وكان ذاك زمنا كلما ابتعدت عنه دمشق، اقتربت منه قرطبة وأخواتها. بين ولادة وابن زيدون تاريخ من دماء، وتقلبات الملك بين الرجال، فلسفة ورجال دين وكتب تحرق، وأفكار تحلق، وتبقى تلك البقعة من الأرض شاهدة على مزيج بشري نادر، ولادة، أيقونة العشق الأندلسي، عشق مخاتل، واسم، ليس لها منه نصيب لتتزوج ويصبح لها ذرية، ولكنها ظلت ولادة الخالدة الذكر. ومن الصدفة في آن واحد أن يرسل لي الدكتور الشاعر إبراهيم ابو طالب أغنية من كلماته، تتعانق بألحان الفلامنكو. تحمل عنوان ( سلام الحب) . لهذا أقول إنها اللحظة التي تجمع المدارات في مدار زمني واحد ليصبح ملتقى أوأغنية،أوكتابا، يحضر فيه كل من مروا على تلك الأرض، مجمع الشرق والغرب، طريق واحد نعبره للبحث عن بيت ولادة، ولكن خلال أزمنة ممتدة. يقول صاحب الكتاب اللاذقاني: أجمل مفردتين تستطيع أن تزهو بهما لغات العالم أجمع هما غزل وجدل” قد كانت غرناطة كما قرطبة كما إشبيلية، تعيش مهرولة بخفة مهر أصيل بين هاتين المفردتين المبهرتين، حيث كانت الحياة تزدهي بالفلاسفة والمفكرين الذين وصفوا أساس النهضة الأوروبية، بشعراء الغزل الذين انحدرت منهم ظاهرة شعراء التروبادور، والذين ملاوا جنوب أوروبا صخبا جميلا، وغزل الشرفات الذي استعاره منهم شكسبير لأحد مشاهد روميو وجولييت. وفي طريقنا لبيت ولادة يقفز لوركا، كقاطع طريق رومانسي، ليذكرنا بأنه هو الذي اعاد مفردة غزل إلى الإسبانية الحديثة بقصيدة “ غزالة ذكرى الحب” . من ستة عشر فصلا يقع الكتاب، وخلال الخمسة عشر الأولى، يتحرك الكاتب عبر السردية التاريخية المعروفة عن المكان، ولكنّه يطعمّها بذلك الحس النقدي المتقد، فهو يرحل عبر بوابات العشق الزمنية لمدن الأندلس، ليس إعادة قراءة للتاريخ ، بل على طريقة طرح التساؤلات، وتقييم ما تناثر من سرديات الشعر والفكر والفلسفة، وتفكيك العلاقات بين الإنسان والمكان، وما أحاطته من حوادث ونكبات. أما في الفصل السادس عشر والذي عنونه “بفانتازيا التاريخ”، وألحقه بمراجع خاصة،افترض فيه أن للتاريخ كما للكائن البشري مزاجه الخاص الذي لا يحفل بالوقائع والأحداث، ولا يحفظها كما حدثت في الواقع، وإنما يعدّلها ويلونها دولا، وأشخاصا، وأطوارا وأعمارا، بطريقته الخاصة. وقد وقع اختياره على الحقبة الأندلسية لدراسة فانتازيا التاريخ، وتجليات مزاجه الذي لايخضع لقانون فهي مرحلة غنية بالرموز والتناقضات وحقبة تموذجية للفانتازيا. فللعشق في الأندلس معنى آخر، عشق يصدح كطيور جنائنها، موشّى بألونها، مواجها للأنهار، محلقا في السماء، فها هي حفصة الركونية حفيدة ولادة، تعلن حدادا على قتل عشيقها أحمد عبدالملك العنسي، ولا تبالي. ولا عجب كما يقول اللاذقاني، أن تظهر مجالس الحب ومحاكمه في وسط فرنسا، وتحديدا في مناطق أمراء وكونتات بروفانس، وهي معلومات غزيرة، نجد عنها في كتاب فن الحب لأندريه لو شابيلان، ورويات كريستيان دي تروا، بعد أن اكتشف كتاب طوق الحمامة لابن حزم الأندلسي والذي امتد تأثيره ليظهر شعراء التروبادور المعروفين، مثل غيوم التاسع والذي كتب مع معرفته العربية، بلغة الأدك، وقلد مطالع الشعر الأندلسي. وثربانتس صاحب دون كيخوته الذي تعرف على الثقافة الإسلامية بشكل اعمق أثناء أسره في الجزائر، فكانت شخصية روايته الشبيهة بابن حزم في بحثه عن الأخلاق النبيلة. في الطريق إلى بيت ولادة الافتراضي ، تنشأ الجسور بين الفنون والأدب والحب، بين الماضي والحاضر، وتترابط السلاسل الزمنية، حتى نكاد أن نقول إن عصر النهضة نتاج اجتماع الشرق والغرب في فترة الأندلس وخليط عشقها.