رحيل عبدالعزيز بن ناصر البرّاك ..

وداعاً موثّق تاريخ الدلم وعلمائها وأعلامها.

في يوم الاثنين الموافق ١ / ١٢ / ١٤٤٧ هـ فقدت الدلم رجل من رجالاتها الأفذاذ، وعميد مؤرخي تاريخها وعلمائها وأعلامها، الوفي لدينه ووطنه ومعشوقته (الدلم) الأستاذ المربي القدير: عبدالعزيز بن ناصر بن رشيد البرّاك، بعد مرضٍ عانى منه في الفترة الأخيرة -رحمه الله رحمةً واسعة وجعل ما أصابه رفعةً له في درجاته- وهو ليس فقيد الدلم فحسب بل فقيد (إقليم الخرج) و الساحة الثقافية والتاريخية في المملكة العربية السعودية  أبو أنس رجل بألف في نبله وأخلاقه وفكره وقلمه، لا ينافسه أحد ولا يجاريه في ميدانه كاتب ومؤلف طوال التاريخ الطويل لهذه البلدة العريقة.  وهو ذلك الرجل الذي لا يراه الناس كثيراً بصورته وهيئته، لكنك ترى أعماله ومؤلفاته وإصداراته ومقالاته وكأنك تراه، يغيب عنا لكنه يحضر حينما يحضر التاريخ والتوثيق والتدوين عن محبويته (الدلم) التي سخّر لها جلّ وقته ومداد قلمه.  في التوثيق أخذ التاريخ من أفواه المعمّرين والثقاة، فزارهم وتواصل معهم فاستأنس بهم واستأنسوا به، وفي الوثائق والمخطوطات كسب ثقة المجتمع والأسر فأمدوه وزودوه بما لديهم من نوادرها وخاصتها، فكان في كل ذلك أميناً في تدوينه ونقله، صادقاً عادلاً لا يُجامل ولا يداهن أحداً.  هو الإنسان الذي بعد توفيق الله منحني الإلهام والشغف والحب للدلم وتاريخها وأعلامها، وللتاريخ بشكلٍ عام علاقتي به علاقة الطالب بأُستاذه، فكان نعم المعلم والموجه والناصح، علاقة جذورها بين أجدادي وأجداده، وبين والدي ووالده، وبين أسرتي وأسرته، فامتدت بين الأبناء والأحفاد، علاقة عنوانها التقدير والود، والحب في الله، وستستمر ماحيينا بإذنه تعال. منحني من وقته الكثير، فعندما أرغب بزيارته في بيته كان يرحب ويستبشر ويسعد، فأعرض عليه مالديّ فيمدني بمخزونه التاريخي، وثرائه الثقافي، وبحر معلوماته، وملاحظاته الجوهرية، فأخرج من مجلسه مسرورا، محمّلاً بجواهر علمه النفيسة. أما الاتصالات الهاتفية فقد منحني الضوء الأخضر والساعات الطوال، ولم تنقطع إلى أن أعياه المرض ومنعه عن استخدام الهاتف واستقبال الزوّار عني وعن غيري، وكثير من رسائله النصية والصوتية محفوظة في جوالي وأعود إليها بين حينٍ وآخر. عبدالعزيز بن ناصر البرّاك من مواليد محافظة الدلم،، درس في مدارسها الابتدائية والمتوسطة والثانوية، ثم التحق بكلية الآداب في جامعة الملك سعود قسم التاريخ، وتخرج فيه عام ١٤٠٣ هـ. من إنتاجه الفكري الغزير الكتب التالية: الدلم في مائة عام، علماء الدلم وقضاتها، أعلام من الدلم، ابن باز في الدلم قاضياً ومعلما، ابن باز ووحدة الكلمة، شعراء من الدلم، مشروع الخرج الزراعي في عهد الملك عبدالعزيز، الخرج في عيون شعرائها المعاصرين، الشيخ راشد بن خنين الحنفي. دوّن عدة مقالات في الصحف والمجلات، وله دراسات نقدية أدبية وتاريخية، وخاصة ما يمت بصلة إلى تاريخ محافظة الخرج ومحافظة الدلم، شارك في لجنة كتابة تاريخ موسوعة التعليم في محافظة الخرج، كما كان عضواً في مجلس إدارة الجمعية الخيرية بالدلم، وأشرف على مشروع مبنى الجمعية الحالي، وعضو في بعض المجالات الخاصة في الدلم، وخاصة ما يمت بصلة إلى المشاريع التنموية والاحتفالات الرسمية. أُعزُي فيه أهالي الدلم والخرج، والوسط الثقافي والأدبي، وأخص التعزية إلى حرمه (أم أنس) زهوة بنت صالح الصرامي المربية الفاضلة والزوجه الوفيّة الصالحة، وإلى أبنائه الغاليين (أنس وحازم، وإياد، وعماد) فما أشبههم بوالدهم في دينهم ووفائهم وتواصلهم ودماثة أخلافهم، فأنعم بها من تربية وأنعم بهم من أبناء بررةٍ كرام، والتعزية موصولة إلى أُسرة البرّاك كافة. وإنّا لله وإنّا إليه راجعون. * كاتب ومؤرخ ، امين اللجنة الثقافية بالخرج