الوفـــــاء الجميل.

استيقظت ذات صباح ويدي خالية من كف أمي،اختفت رائحة الحناء الذي خضبته به البارحة، كان عليّ أن أفهم استعدادها للرحيل دوني،وقبل أن أعي صباحي الذي سيكون مرعبا ألقت إحدى شقيقاتي ثوب المدرسة على جسدي، ودست بعض الطعام المعتاد في حقيبتي التي رتبت دروسي فيها وكتبت كل واجباتي المتوقعة بيدها اليسرى! أدركت حينها مايحدث؛ فامتلأ الفراغ بصراخي، رأيت أصابع كثيرة تشير لي وأصوات توصيني وتحذرني، ويد تجرني وتقذفني وسط حافلة المدرسة واسطوانتي تشرخ هدوء الصباح! كنت أقاوم وأحاول النزول، والسائق يبتسم لي، يحاول أن يسكتني، ويمارس أبوته المتكلفة لعلي أدعه يركز في القيادة، لكنه حين يغرز جملته التي يحسبها ستطربني يقفز خوفي أكثر (هيا إلى المدرسة) ارتجف ويختل توازني وعجلات الحافلة تدور، أتمنى لو أوقفها تسقط حقيبتي التي لم تتمكن شقيقتي من إغلاقها تماما، تتبعثر دفاتري القليلة، وأجد واحدا منها فقط في يدي. توقفت هناء عن القراءة من دفترها الذي عثرت عليه من بين أشيائها القديمة، تساءلت إن كان هو ذاته الذي تبقى لها في الحافلة؟ فلم يكن يعنيها وقتها أن تحصل عليها جميعها! كانت تحاول أن تتذكر متى أمكنها كتابة كل تلك الصفحات؟ إنها حتى لاتتذكر السبب أو الدافع الذي جعلها تكتب مالايمكن أن تنساه! يرتجف قلبها وتخرج الطفلة فيها، صغيرة وضعيفة وخائفة من مجهول لاتعرفه! تشهق بهلع فقد تحققت مخاوفها، تمسك بحافة النافذة ودموعها تسيل حتى اختفى بيتهم ممايعني أن لا مجال للتراجع وكل اللاءات التي زفرتها لم تعد تجدي معهم! لم تكترث لاعتراض الطالبات خاصة الكبيرات منهن اللاتي برغم اعتيادهن لصياحها إلا أنهن ينزعجن لهذا النواح الصباحي الذي يربك مزاجهن كثيرا، ويكرهن حضورها المزعج، بل انتشرت مشاعر الكره والانزعاج من جميع من في المدرسة، وزميلاتها الصغيرات خلعن عليها لقب (الصياحة) أصبح خوفها مجزأ ومركزا أكثر وليس من مجرد بناء ستكون فيه العصفورالمسجون بل من جميع السجانين، المديرة والمعلمات والمراقبات، والعاملات، والجدران، والطرقات! أفواه مزمجرة وألسنة تتدلى منها وسيقان طويلة تكاد تركلها وعصي تخشى أن تهوي عليها، يرتفع نواحها وتتمنى لو تسكت فقد أوجعها البكاء! وسؤال يخترق جمجتها: لم أنا الباكية بينهن؟ في مرات نادرة حيث لا يمكنهم تحمل احتجاج الجميع ،وربما ليختبروا صبري تقول هناء: الصبر الذي ينتظرون نفاذه مني حين أكون وحدي في البيت تركوني أسبوعين كاملين بلا مدرسة كنت سعيدة بوجود أمي، كنت أتبعها كظلها رغم محاولاتها تصنع القسوة لأجل أن أنفك عنها ولتقلق استمتاعي، وتظل تشرح لي ماتفعله الصغيرات الآن ومدى استمتاعهن في المدرسة ولعبهن في أوقات الفسحة وأنها ستعطيني مالا لأشتري كل ما أحبه ، وكيف سأندم حين تكبر صغيرات العائلة ويصبحن كشقيقاتي متعلمات، كنت أرفض كل إلماحات المستقبل التي تغريني بها، ولا يمكن لعقلي الصغير أن يتدبر أمر الفهم والمقارنة التي تعنيها والدتي! لا أدري كيف أوصلوني لباب الفصل؟ وجدتني وحدي خائفة ومترددة وقد خانني صوتي فقط صدري يعلو ويهبط وكفاي تتعلقان في حقيبتي وأتحفز للعودة للوراء، وأكاد أسمع ضحكات زميلاتي وهن يرددن (جاءت الصياحة) لكن صوتا حنونا انبعث من داخل الصف، لمس قلبي ولم أعرف من أين جاء، هدأ كل شيء حولي حتى أن صدري سكن واقشعر جسدي الصغير وصاحبة الصوت الدافئ تقترب مني كنت أحس بقربها أكثر كلما سقط صوتها في قلبي: تعالي يا صغيرتي أنا معلمتك! صمدت أمام إحساس الهروب الذي تملكني رأيت يدها تمدها لي، انبعث حنانها كشعاع أنار طريقي، حضنتني وارتميت في حضنها « أنت جميلة ياصغيرتي لاتخافي، كلنا نحبك» والتفتت إلى التلميذات وهي تحفزهن ليقلن نعم وهزت رأسها آمرة صرخ الجميع (كلنا نحبك) شيء ما نبت داخلي، خدر لذيذ سرى في جسمي وهذا الحضن تجاوز حضن أمي الذي أحبه، كهرباء نفضت جسمي وأوصلت الثقة في كل روحي، وهي تجلسني أمام طاولة المعلمة وسط الصف وهو المكان الذي يليق بأفضل الطالبات وأذكاهن، أجلستني بجانبها وهي تشير بأصبعها هذا مكانها الدائم، تغير كل شيء أمامي وبدت التلميذات يتقربن مني! أصبحت كالفقير الذي هطل الرزق في جيبه وأصبح غنيا يتقرب له الجميع! تغيرت نظرة التلميذات لي أصبحن يحترمن وجودي، وسكت صياحي تماما! انتشيت واستطال عنقي ورأسي يدور كمروحة صغيرة أتفرس الوجوه والأعين التي تحدق فيني ساد صمت أحسبه طويلا، حتى عادت معلمتي تواصل شرح درسها الذي التهمت كل ماقالته واشتد تركيزي في كل حرف نطقت به حتى حسبتني حفظت كل شيء حتى عينيها الجميلتين وحركاتها وسكناتها ولعلي عددت خطواتها، وأجبت على أسئلتها وغمرتني بالتشجيع، وامتلأ سمعي بالتصفيق وأنا أشارك في مسابقاتها التي تذيل بها دروسها، خرجت ذلك اليوم هادئة، وواثقة ومطمئنة، وأكاد أجر ذيل الطاؤوس خلفي! كيف لها أن تفعلها معي وقد عجز الجميع؟ وهل كانت ضمن المنزعجات مني؟ هل هبطت علي من السماء؟ وتغير صباحي أصبح أجمل وألذ وشغفي لحضور دروسها يسكب الأمان في قلبي، انتزعت مخاوفي، وتلاشى الرعب اليومي من داخلي، بدأت أمارس حقي في أن أكون تلميذة فعلا،وأركض لمدرستي بشوق، وأقف مع صويحباتي أبحث عنها وأنتظر اطلالتها التي ما إن تبزغ لي يقفز قلبي فرحا وحبا، وحين يقترب وقت درسها أركض لاستقبلها وأحمل أغراضها وأرتب كل شيءلأجلها لم تكن معلمتي فقط، بل طبيبتي النفسية التي واصلت تشجيعي وغرست في بعض نبلها وأخلاقها وعطائها حتى بعد أن كبرت وتوالت سنواتي ظلت عالقة في قلبي ودعواتي، وأجدد عهدي لها بالدعاء والوفاء وسؤالي يقرع قلبي: ماذا لو واصلت رفضي للمدرسة لأجل ألا أفقد أمي؟