خاتمٌ وضفدع… ورسالة حب
استيقظت آنا هذا الصباح منزعجة، وفي صدرها رغبة جارفة بالصراخ، كتلك التي تعتري المواليد الجدد؛ حين يصرخون احتجاجًا على انبثاق حياة لم يختاروها، ليفهم العالم صراخهم إعلانًا أول للحياة. أغمضت عينيها بقوة؛ كان الضياء يجرح جفنيها. حاولت أن تنهض، فشعرت بثقلٍ غامض. تقلبت في السرير، رفعت رأسها كخديجٍ يستطلع محيطه، وبحثت عن ساعة الحائط التي أخبرتها أن ما تبقى من الوقت بالكاد يكفي. زحفت ببطء تتحسس نظارتها، ثم وقفت مترنحة، تستند إلى حافة السرير كما لو أنها تتعلم الوقوف لأول مرة. في المطبخ، وقفت تُعد الشاي وبعض البيض. نظرت حولها؛ الفوضى في كل مكان. تخيلت أمها تقف وسط هذه الفوضى بوجه غير راضٍ، ككل الأمهات الرافضات للفوضى وأنصاف الأعمال. شعرت أنها طفلة في الثانية عشرة، تنتظر توبيخًا لأنها لم ترتب المطبخ كما يجب. على طاولة الإفطار، سألها ابنها: “ماما، ما عاصمة إسبانيا؟” تسارعت دقات قلبها، وداهمتها رهبة الامتحان. تمتمت بتلعثم: “مدري… مدريد.” حين همّت بالخروج، لمحت ظرفًا مزينًا بقلوب حمراء على الطاولة الصغيرة في المدخل. فتحته على عجل. بطاقة بكلمة واحدة: “أحبك”. ارتبك قلبها. لوهلة، شعرت أنها المعنية. ثم انتبهت إلى طريقة كتابة الحاء… إنها خط آدم، ابنها. ابتسمت بارتباك: منذ متى كبر إلى هذا الحد؟ في العمل، استقبلتها السيدة الرئيسة بنبرتها الحادة المعتادة: “هل هذا لباس عمل؟” كادت تعود أدراجها لترتدي السترة النيلية والقميص الأبيض، لكنها تذكرت أنها لم تعد طالبة، وأن لها الحق في أن تبدو كما تريد. مرّ اليوم حافلًا بالعمل وهذر العملاء. وقبل موعد المغادرة، استدعاها المدير، سلّمها كتاب شكر، وأثنى على جهودها. صفقت السكرتيرة بحماس، وابتسمت آنا. بدت الفرحة مألوفة… كأنها عاشتها من قبل. رنّ الهاتف. “سأمرّ بك لنعود معًا”، هكذا قال أبو آدم. بعد دقائق، كانا يتناولان الغداء في مطعم صغير. أخرج علبة قطيفة من جيبه، فتحها، فانكشف خاتم ماسي. “Would you marry me” تجمد الزمن. ظهر آدم فجأة، يحمل الرسالة نفسها، وقال مبتسمًا: “قولي نعم يا ماما.” في تلك اللحظة، تسلل إلى المشهد صوت غريب… نقيق خافت. ثم قفز ضفدع على الطاولة. تراجع النادل مذعورًا، حاول الإمساك به، فقفز الضفدع مبتعدًا، فسقط النادل وسط ضحكٍ متصاعد. كان آدم يصفق، والنقيق يعلو… يعلو… اهتزّ رأسها. الصوت يزداد. الصورة تتشقق. فتحت عينيها. المنبه يصرخ تحت الوسادة. قلبها يخفق بعنف. إنها لا تزال في السرير. عليها أن تسرع لتلحق الامتحان. توقفت لحظة… ثم فكرت بجدية: ربما عليها أن تغيّر نغمة رنين المنبّه. من السيئ حقًا أن يستيقظ المرء على صوت ضفدع.