«الرحلة الحجازية» لمحمد لبيب البتانوني..
صورة بانورامية للحرمين الشريفين في القرن التاسع عشر.
كتاب مهم محوره رحلة حج قام بها الخديوي عباس حلمي الثاني، الحاكم السابع من أسرة محمد على باشا عام ١٣٢٧ه (١٩٠٩ م)، رافقه مؤلف الكتاب وهو رحالة مصري معروف، محمد لبيب البتانوني، له كتابان آخران أحدهما عن رحلة إلى الأندلس والآخر عن رحلة إلى أمريكا، والكتاب يعكس ثقافة المؤلف الواسعة عن دول أوروبا، كما يدل على تمكنه من الكتابة الأدبية. يذكر الكاتب أنه تشرف بمرافقة الخديوى في الحج، ورأى -قياما بواجب الشكر- أن يكتب عن رحلته بحيث يرى المطلع على الكتاب كل ما تهمه معرفته عن المواقع المقدسة. ضم الكتاب كثيرا من الخرائط الجغرافية والرسوم النظرية التي وضعها الكاتب نفسه، كما شمل مجموعة من الصور الضوئية التي التقطها المصورون الذين صاحبوا الخديوى ضمن الوفد الكبير الذي رافقه في رحلة الحج، وليتها تُعالج بوسائل الذكاء الصناعي لأنها لم تعد واضحة. ذكر الزركلي في كتابه “ ما رأيت وما سمعت.. من دمشق إلى مكة” أن العالم المكي عثمان الراضي قد ذكر مجموعة أخطاء وقع فيها البتانوني، أورد الزركلي منها أربعة عشر خطأ، مثل: أن عدد منارات الحرم سبعٌ لا ست، وفي مكة ثلاث قلاع لا اثنتان، وخطأه فى قوله إن موقع مقام إبراهيم تغير من مكان لمكان حول الكعبة. واستنكر ما قاله البتانوني من أن الأعراب في مكة يغلقون أنوفهم بسدادات من القطن تجنبا للرائحة التي تنبعث في موسم الحج بعد ذبح الهدي وإلقائه في الحُفر، وكثرة فضلات الناس في منى. وغيرها، ولكن قياسا إلى كتاب زادت صفحاته على ٤٠٠ صفحة فإنها لا تقلل من قيمة الكتاب. يقدم الكاتب بمقال طويل فيه قدر مهم من التفاصيل عن الأمة العربية، يتبعه قسم يتكلم فيه عن صفة جزيرة العرب الحاضرة (مطلع القرن التاسع عشر الميلادي)، وعشائرها وحكوماتها، وجغرافيتها السكانية والسياسية، والفصل مزود بخرائط إيضاحية وجداول، وهذا مهم. وتلك الصفحات وافية لمن أراد مشهدا للحياة العربية من زاوية واسعة. فصل الكاتب في حفلات الاستقبال والوداع التي أُعدت للخديوي من قِِبل المصريين والحجازيين والعثمانيين في كل مقام غادر منه أو حل فيه، وكلها حفلات باذخة قد تزري بما نشهده في عصرنا من مناسبات شبيهة، والسبب على الأغلب هو تقدم مصر - رغم أنها كانت محتلة من قِبل الإنجليز- على ما حولها من البلدان العربية آنذاك، والكاتب يفصل في ذلك لأنه من النخبة التى تمثل الحكومة الخديوية. سار الموكب بالقطار إلى السويس، ثم باليخت عبر البحر الأحمر، وعندما حاذوا ثغر رابغ أحرموا بالحج، وبعدها بساعتين وصلوا إلى جدة التي تجلت لهم بيضاء ناصعة، وظهر في جنوبها ضيعة صغيرة يسمونها النُزلة، بنيت فيها أكواخ يسكنها الأعراب وبعض الأهالي، وغالبهم من صيادي الأسماك، وفي قبالة هذه الضيعة من جهة البحر جزيرتان صغيرتان، جزيرة سعد وجزيرة سعيد، وفيهما المحجر الصحي. نلاحظ عبر الرحلة كثرة المحاجر الصحية التى على الحجاج أن يقيموا فيها حتى يتبين خلوهم من الأمراض المعدية وخاصة الكوليرا، وكانت تحتوي على أجهزة لتعقيم الملابس عن طريق التبخير، وتحتوي إحدى الجزيرتين على آلة لتكرير المياه المالحة وأماكن لإقامة الحجاج فترة الحجر. توقفت سفينة المحروسة على بعد أميال من الميناء، لأن المراكب الكبيرة لا تستطيع الدخول إلى مائها لقلة عمقها. ومن ثم تأتي قوارب صغيرة لحملهم إلى الشاطئ. شوارع جدة غير منظمة، وقد بنيت بالحجر الجبلى الذي يأتون به من الجبال القريبة، وفي بنائها الحجر المائي الذي يقطعونه من شعاب البحر (المنقبي)، وهو حجر في غاية المتانة والخفة، إلا أن خطره عظيم لأنه قابل للالتهاب، لما يحتويه من المادة الفسفورية، ومساكن جدة تشبه مساكن مصر في عهد المماليك، بها غرف كثيرة ومساحات واسعة ذات سقوف عالية، ولها شبابيك طويلة عريضة على شكل المشربيات يسمونها الرواشن (ومفردها روشن ومعناه منور بالفارسية)، والمنافذ الواسعة هذه مناسبة جدا في المناطق الحارة. وقد لفت نظره جمال مبنى الوكالة الروسية وشبه واجهتها هذه بواجهة قصر الرصافة في بغداد. يشرب أهل جدة من الصهاريج القديمة التى تُملأ بماء المطر أو من العيون خارج المدينة، وكلما اقتربت العيون من البحر كلما زادت ملوحتها وأصبحت غير صالحة للشرب، قام عثمان نوري (الوالي العثماني) بإيصال المياه إلى جدة من أبرق الرغامة عام ١٣٠٢ ه التى تبعد عشرة كيلومترات عن المدينة، قد تعطلت بسبب الإهمال، وفي المدينة محطة تحلية لمياه البحر لكنها كانت متعطلة وقت وصول الخديوي بانتظار قدوم من يصلحها من السويس. وفي جدة قبر ينسبونه لحواء أم البشر، يقدم البتانوني هنا وصفا لمقام حواء، وتفنيدا لصحة ما يقال عنه، ويُذكر هنا أنه لما قصد الشريف عون الرفيق إلى هدم القبة المقامة على القبر، قام في وجهه قناصل الدول الأوروبية وحالوا بينه وبين ذلك بدعوى أن حواء ليست للمسلمين وحدهم. يذكر البتانوني أن حرس الشرف الذي استقبله ضم “ جند البيشة”، وفي الهامش يقول إن بيشة قبيلة موجودة في شرق البلاد يركبون الهجن، وهم يشكلون معظم عساكر الشريف، وأظن هنا أنه يتحدث عن مدينة بيشة. خلال إقامته بمكة قام الخديوى بزيارة مواقع تاريخية مهمة مثل ضريح السيدة خديجة وبيتها وبيت السيدة آمنة (والدة الرسول) وقبر عم الرسول أبي طالب، وجده عبد المطلب وقبر عبدالله بن الزبير، ودار الأرقم، وعلى الأغلب أن معظم هذه المواقع قد أصبحت داخل الحرم بعد التوسعة السعودية، مثلما دخلت بيوت زوجات النبي في الحرم المدني عندما قرر الوليد بن عبدالملك الأموي توسعة الحرم. وفي الكتاب رسم تخطيطي لبيت أم المؤمنين خديجة وبيت عبدالله والد الرسول، وكذلك للمسجد النبوي، ولبيت أم المؤمنين عائشة الذي دفن فيه رسول الله وصاحبيه، وبيت السيدة فاطمة في المدينة. وبيوت أمهات المؤمنين كما وردت في الأثر. في مكة تجد مسلمين من سائر بلاد العالم، يجدر بها أن تسمى معرض العالم الإسلامي، يبلغ عدد سكانها مئة وخمسين ألفا منهم خمسون ألفا من الأهالي وخمسة وعشرون ألفا من القبائل المحيطة، والبقية من سائر أرجاء العالم، وخاصة من بخارى والهند وأندونيسيا، وقد ذكر بعض الأسر ونسبها إلى موطنها الأصلي، جمع أهل مكة قدرا من خصائص كل البلدان التي ينتمون إليها. ولغتهم يدخلها حشو من أماكن مختلفة. في مكة ثلاث تكايا توزع الطعام بالمجان وأبرزها التكية المصرية، ويوجد مثلها بالمدينة، وفيهما حمامات مثل الحمامات العثمانية بمصر، وتصدر بها جريدة “الحجاز” باللغتين العربية والتركية، وبمكة كتبخانة واحدة، وهذا غريب إذا قارنتها بمكتبات المدينة المنورة المتعددة، ومنها مكتبة عارف حكمت التي فصل الكاتب في وصفها بإعجاب. يشرب أهل مكة من زمزم ومن الآبار المحيطة، وقد استحكمت مشكلة المياه بسبب الحج، ولما علمت زبيدة زوجة هارون الرشيد قامت بمشروع عظيم ينقل المياه عبر قنوات وتفرعات تصل إلى عرفات ومنى، وما بين عامي ٩٣٠ه و ٩٧٠ه انتهى جريان الماء فيها بسبب الإهمال، وأصاب أهل مكة عطش عظيم، وعندما وصل الأمر إلى سليمان القانوني الخليفة العثماني، طلبت ابنته مهريامه أن يشرفها بإصلاحها من مالها الخاص، فوصل إلى مكة مديرٌ لهذه المهمة أنجزها على وجه طيب. وحفر حوالي ٢٥ مترا في الصخر مسافة كيلو متر حتى تصل المياه إلى مناطق مكة جميعها. أول من كسا الكعبة داخلا وخارجا أبو كرب أسعد ملك حِمير قبل الهجرة بقرنين، وتبعه خلفاؤه، وقام قصي الجد الخامس للرسول بوضع رفادة على القبائل لكسوتها سنويا، وكساها رسول الله وخلفاؤه ، وقد كُسيت باللون الأسود في عهد العباسيين فالأسود كان شعارهم، وعندما ضعف العباسيون أصبحت الكسوة تأتي سنة من ملوك اليمن وأخرى من مصر، أوقف عليها الملك الصالح حفيد السلطان قلاوون قريتين بالقليوبية في مصر، أما الكسوة القديمة فيعطي المقصب منها للشريف والباقي يأخذه الشيخ الشيبي سادن الكعبة فيبيعه للناس. انتقل الخديوي إلى المدينة بالبحر من جدة إلى الوجه ثم إلى منطقة العلا ثم ركب قطار الخط الحديدي الحجازي، أما معظم الحجاج فينتقلون بالجمال من خلال أربع طرق صحراوية، وعلى الأغلب فإنهم يتعرضون لابتزاز الجمالة، وقد يتعرضون للسلب وللقتل، وللجمالة من البدو حيلٌ كثيرة يستولون بها على المال، مع أن الحجاج يدفعون مقدما في مكة أجرة نقلهم كما يقررها الشريف. في المدينة المنورة قام الخديوي بعد زيارة رسول الله صلى الله عليه وسلم بأداء واجب الخدمة بالمقصورة الشريفة، يعني هذا أنه قام بإسراج القناديل في الحجرة الشريفة مساء وإطفائها صباحا، وهذه الخدمة يقوم بها الأمراء والكبار والأعيان عند زيارتهم المدينة بعد أن يأخذوا إذنا من شيخ الفراشة النبوية. وقد أدى الخديوي تلك الخدمة أكثر من مرة خلال وجوده في المدينة. أُقيمت المقصورة الشريفة من نحاس أصفر غاية في الحسن ضمن عمارة قايتباى عام ٨٨٨ ه، وداخل المقصورة تقع الحجرة النبوية حيث قبر رسول الله وصاحبيه. وحول القبور مقصورة أخرى ترتفع أكثر من ستة أمتار، وقد أقيمت المقصورة زمن إمرة الخليفة عمر بن عبدالعزيز، وجُعلت خماسية الأضلاع لكيلا تكون على شكل الكعبة. اختار الخديوي العودة عن طريق السكة الحديد إلى تبوك فالشام ثم حيفا، وبعدها استقل الباخرة المحروسة إلى الإسكندرية. والكتاب من أجمل ما كُتب عن رحلات الحج، كتب عنه الشيخ سليم البشري شيخ الجامع الأزهر أيام الرحلة قال: إن هذا الكتاب من أحسن ما كتب الكاتبون في هذا الموضوع النبيل، ومن خير ما دُون في وصف تلك البقعة المباركة، فمن سبق من مؤلفين لم يتناولوا جميع الأغراض التي انفسح لها هذا الكتاب، فقد قصر بعضهم كتابه على جغرافية البلاد وغيره على التاريخ العمراني والبعض لم تتجاوز كتابته مواضع العبادة ومناسك الحج، وقد بلغ إلى الغاية من كل ما يريد القارئ أن يعرفه عن جزيرة العرب مما يتعلق بأمر دينه ودنياه، ببيان يسحر الألباب وأسلوب يُعجز الكُتاب.