من ذاكرة الأحواش إلى سينما البلد..

عبدالله سحرتي: الاستدامة تأتي من خلال بناء «المجتمعات السينمائية» المخلصة.

عبدالله سحرتي مخرج سعودي درس الإعلان، وتخصص في الإذاعة والتلفزيون، واهتم بتطوير نفسه أكاديميًا في مجال الإخراج. يمتد عمله في قطاع الإنتاج الإعلامي بالمملكة العربية السعودية لأكثر من 20 عامًا، قبل أن يرسخ شغفه بالسينما بتأسيس صالة مستقلة لعرض الأفلام في قلب جدة التاريخية تحت مسمى «سينما البلد». وهو الآن عضو فاعل في جمعية الأفلام السعودية، مما يعكس التزامه بتطوير صناعة الأفلام في المملكة والمشاركة في صياغة مستقبلها الإبداعي. حظيت مسيرته الإبداعية بحضور دولي، خاصة عند عرض فيلمه الوثائقي «حادي العيس»، الذي نال ترشيحين في مهرجان الأفلام السعودية لأفضل فيلم وثائقي، كما عُرض في مهرجان البحر الأحمر السينمائي، ومهرجان SXSW في لندن، مما يعكس عمقًا ثقافيًا وتقنيًا يتجاوز الحدود. * تعود علاقتك بالصورة والسينما إلى سن مبكرة، ثم درست الإخراج في وقت لم تكن فيه صناعة سينمائية واضحة في المملكة. ما الذي صنع هذا الشغف أولًا؟ وكيف تحوّل لاحقًا إلى اختيار أكاديمي ومهني؟ - المحرك الأول كانت والدتي، حفظها الله؛ فهي أول من رأيته يحمل الكاميرا ويصورنا في السفر، فكانت بداية العشق للكاميرا من يدها. أما الدراسة في ذلك الوقت، فكانت نابعة من شغف بالسينما والفن؛ فقد كنت أذهب إلى السينما وأنا بعمر الست سنوات، أدخل القاعة أول واحد، وأخرج آخر واحد، وأحتفظ بتذكرة السينما. أؤمن دائمًا أن الأساس العلمي هو ما يمنح المخرج القدرة على الإبداع والاستدامة. السينما بالنسبة لي ليست مجرد صورة، بل هي وسيلة للتواصل الإنساني، وهو ما جعلني أميل لاحقًا إلى تأسيس مساحات سينمائية تركز على الأفلام الفنية والوثائقية التي تحمل طابعًا إنسانيًا. أما عن واقعنا اليوم، فقد كان حلمًا يراودنا دائمًا، لكن القفزات الكبيرة التي حققها قطاع الأفلام، والتمكين الذي نعيشه حاليًا، تجاوزا سقف التوقعات، مما شجعني على الموازنة بين الجانب العملي في الإنتاج التجاري والإعلاني، وبين بناء كيانات تدعم السينما المستقلة. * هل تعتقد أن الدراسة الأكاديمية مهمة فعلًا للمخرج؟ وما الفرق، في نظرك، بين المخرج الذي درس الإخراج، والمخرج الذي اتبع شغفه فقط؟ - الشغف هو الوقود، لكن الدراسة هي الخريطة. الدراسة الأكاديمية تمنح المخرج «البوصلة» لفهم فلسفة التكوين البصري وسيكولوجية الصورة، مما يجعل قراراته الإخراجية مبنية على وعي، وليس مجرد صدفة. الفرق يكمن في القدرة على تحليل المشهد وتفكيكه وإعادة بنائه بلغة سينمائية رصينة. * هل ترى أنك أصبحت تمتلك لغة سينمائية خاصة؟ بمعنى: هل بدأ خطك الإخراجي يتضح، أم أن الحديث عن ذلك لا يزال مبكرًا؟ - أعتقد أن ملامح هويتي الإخراجية تتبلور في التأني والحرص على التفاصيل الدقيقة. أنا من المخرجين الذين يستمتعون بإضافة رؤيتهم الخاصة في كل لقطة، وأميل إلى المنهج المتمهل الذي يولي جودة الكادر أهمية قصوى. هذا النهج «المتأني» هو ما يميز بصمتي اليوم. * بوصفك مخرجًا سعوديًا، هل تشعر بمسؤولية في إظهار روح بلادنا وطبيعتها وكنوزها الثقافية المخفية؟ - بكل تأكيد، هي مسؤولية وشغف في آن واحد. نحن في المملكة نمتلك تنوعًا جغرافيًا وثقافيًا مذهلًا، ومهمتنا كصناع أفلام هي تقديم هذه الهوية للعالم بصدق، وبقالب سينمائي عالمي، فيها ثراء ثقافي وبصري فريد. * «حادي العيس» وُلد من مادة تبدو مألوفة جدًا في المخيال السعودي: الإبل، والحداء، والصحراء، والعلاقة العاطفية بين الإنسان والحيوان. كيف بدأت الفكرة؟ وهل هو بداية لسلسلة مشابهة تعبّر عن ثقافتنا المحلية؟ - الفكرة بدأت من الرغبة في رصد هذه العلاقة الوجدانية العميقة، وتوثيق فن «الحداء» الذي يمثل جزءًا أصيلًا من هويتنا. فأنا ابن الساحل، وأحببت أن أخوض تجربة مختلفة تمامًا بعيدة عني، فكانت أول تجربة لي في التعامل مع الإبل مباشرة. أحببت هذا المخلوق جدًا، لدرجة أنني أكاد الآن، عند ذهابي للصحراء، أبحث عنه، وأبني صلة معه. يقول الخالق: «أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خُلقت». ولله الحمد، كأول تجربة وثائقية، حاز الفيلم على العديد من الترشيحات والعروض في المهرجانات المحلية والدولية. * بعد الرحلة التي قطعها «حادي العيس» بين المهرجانات والعروض المحلية والدولية، ما الذي كشفته لك هذه التجربة عن قابلية الحكاية المحلية للوصول إلى جمهور أوسع؟ وماذا أضافت لك كمخرج؟ - هذه الرحلة كانت بمثابة تأكيد على أن الصدق في التعبير يصل دائمًا. الترشيحات، كأفضل فيلم وثائقي، وتنويه لجنة التحكيم في مهرجان الأفلام السعودية، ومن ثم الجولات الدولية في الشارقة والحصول على تنويه منه، ثم عرضه في مهرجان البحر الأحمر ومهرجان SXSW في لندن، منحتني ثقة أكبر في أهمية السينما الفنية وقدرتها على المنافسة والوصول إلى جمهور متنوع. * عُرض «حادي العيس» لاحقًا للجمهور في «سينما حيّ»، و«سينما البلد»، وسينما إثراء. ما التحدي الأكبر في إتاحة هذا النوع من الأفلام للجمهور، وكيف تعملون على توسيع دائرة وصولها؟ - نحن نعمل حاليًا على سد هذه الفجوة من خلال توفير منصات عرض بديلة وتوسيع دائرة الوصول. التحدي الحقيقي يكمن في ثقافة «التوزيع» للأعمال الفنية والوثائقية، وهو ما نسعى لتجاوزه من خلال مبادرات العرض المستقلة. * ألا ترى أن السينما السعودية حاليًا فيها عناية واضحة بالتكوين البصري والسينماتوغرافي، لكن يظهر أحيانًا ضعف في بعض النصوص أو ركاكة في السيناريو؟ وبالرغم من أن لدينا مخزونًا أدبيًا وثقافيًا غنيًا، هل لدينا فعلًا مشكلة في هذا الجانب؟ - جمال الصورة مذهل في إنتاجاتنا الأخيرة، ولكن السيناريو هو القاعدة والأساس الذي يمنح الصورة معناها. نحن بحاجة إلى استثمار مخزوننا الأدبي الغني، وتدريب جيل من كتاب السيناريو الذين يجيدون «الحكي البصري»؛ لتحويل تلك النصوص إلى أفلام متماسكة لا تكتفي فقط بالإبهار البصري. * الصناعة السينمائية عالميًا صارت مغامرة؛ حتى الأفلام التجارية التي تُنفق عليها مئات الملايين قد لا تستعيد كلفتها. في هذا الواقع، كيف يمكن لصناع السينما المستقلة أن يحققوا عائدًا ربحيًا، أو يضمنوا استدامة إنتاجهم، من دون التفريط في رؤيتهم الفنية؟ - الاستدامة تأتي من خلال بناء «المجتمعات السينمائية» المخلصة. عندما تخلق تجربة عرض حميمية، وتوفر محتوى يلامس الجمهور، فإنك تضمن وجود قاعدة تدعم استمرار مشاريعك. السينما المستقلة تعتمد على الإبداع في إدارة الموارد بقدر ما تعتمد على الإبداع الفني. * بما أنك معنيّ بالسينما المستقلة، كيف تشرح للقارئ الفرق الجوهري بينها وبين السينما التجارية؟ - السينما التجارية تهدف غالبًا إلى الترفيه السريع وتحقيق أرقام شباك التذاكر عبر صيغ مجربة، بينما السينما المستقلة، أو سينما المؤلف، هي مساحة للتجريب الفني وطرح القضايا الإنسانية العميقة بأسلوب قد يكون أكثر جرأة وتحررًا من القيود التجارية. * أين تكمن المشكلة في وصول الأفلام والمشاريع السينمائية المستقلة إلى جمهورها: في ضعف الإتاحة، أم في التسويق، أم في غياب منظومة توزيع واضحة؟ - المشكلة تكمن في «التوزيع» وغياب المسارات المتخصصة للعرض. الجمهور السعودي جمهور مطلع وذكي، ويشاهد السينما العالمية، لكنه يحتاج إلى منصات محلية، وصالات سينما بديلة، تخصص مساحة دائمة لهذه النوعية من الأفلام، وتصل إليه بجهود تسويقية مدروسة. * عندما أسست «سينما البلد»، ما الهدف الأساسي منها؟ - الهدف كان خلق «مجتمع سينمائي». لم نردها مجرد صالة عرض، بل أردنا بناء علامة تجارية محلية ومستقلة تحتفي بالسينما الفنية التي نالت تقدير المهرجانات العالمية، وتجعلها متاحة للجمهور المحلي في أجواء تربطه بالمكان والإنسان. * اسم «سينما البلد» وروحها يحيلان إلى ذاكرة جدة وسينما الأحواش. والآن أنتم في طريقكم إلى التوسع في مدن أخرى، كيف يمكن الحفاظ على هذه الروح؟ أم أنكم ستجعلون لكل مدينة طابعها الخاص؟ - نحن نعتز بهويتنا التي انطلقت من جدة التاريخية؛ فجدة بدأت فيها أحواش السينما قبل ما يقارب 70 عامًا. ومع التوسع، سنحافظ على جوهرنا كمنصة مستقلة، ولكن مع إعطاء كل فرع طابعًا يستلهم من ثقافة المنطقة التي يتواجد فيها، لضمان اتصال وثيق مع المجتمع المحلي. * بدا اختيار الباحة لافتًا، لا لأنها مدينة أقل أهمية، بل لأن التوقع المعتاد يذهب إلى الرياض مثلًا. ما الذي جعل الباحة تحديدًا أول خيارات التوسع لـ«سينما البلد»؟ - الباحة تمتلك سحرًا خاصًا وتاريخًا عريقًا، وهي تشهد حاليًا حراكًا تطويريًا كبيرًا من الدولة. وكمساحة خصبة لا توجد فيها سينمات، أحببت أن أكون أول من يقدمها للجمهور، إيمانًا بضرورة تقديم تجربة ثقافية سينمائية نوعية لأهل المنطقة، والمساهمة في تعزيز المشهد الترفيهي هناك. * إلى جانب توسع «سينما البلد»، ما المشاريع الإخراجية التي تعمل عليها حاليًا، أو تفكر في إنجازها خلال المرحلة المقبلة؟ - تركيزي الحالي منصب على توسيع مظلة «سينما البلد» لتصل إلى مناطق أكثر في المملكة. وبالتوازي، أعمل على تطوير مشاريع وثائقية وفنية جديدة تواصل البحث في الهوية والثقافة المحلية بلغة سينمائية معاصرة.