”لا كرازيا” أو ( النعمة) فيلم من إخراج “باولو سورينتينو” . محور الحكاية رئيس الجمهورية “ماريانو دي سانتيس “ (توني سيرفيلو )، في الشهور الأخيرة من ولايته يجد نفسه مضطرا لاتخاذ قرار بشأن طلبين للعفو تحولت إلى معضلات أخلاقية حقيقية مرتبطة ارتباطا وثيقا بحياته الخاصة. في البداية نرى رموز العلم الايطالي بألوانه الثلاثة تمر عبر السماء من خلال دخان الطائرات. وتظهر مقاطع من الدستور الأيطالي، ويبرز تعريف لرئيس الجمهورية “ هو رأس الدولة ويمثل الوحدة الوطنية”. إنها مقدمة لتقديم قصة بطل الحكاية رئيس الجمهورية الإيطالية الخيالي الذي يعيش أيامه الأخيرة من ولايته وعليه واجب اتخاذ قرارات مهمة للغاية . على طاولة الرئاسة يأتي طالبين للعفو واصدار قرار ( القتل الرحيم ) . ألأول قضية” إيزا روكا “ إمرأة مذنبة بقتل زوجها العنيف أثناء نومه ، جريمة ولدت من الخوف وغياب الحماية . والثاني ، قضية العفو عن “ كريستيانو أربا” أستاذ التاريخ الذي قتل زوجته المصابة بالزهايمر ليرحمها من العذاب الذي لا ينتهي . مصيران متعاكسان ومطلبان يحولان القانون إلى حالة إنسانية والعدالة إلى ساحة معركة أخلاقية . ولتعذيب الرئيس ، هناك قضية أصدار مرسوم قانون بشأن القتل الرحيم . صورة الرئيس ( ماريانو دي سانتيس) أرمل ومحبوس في ذكرى زوجته الراحلة . (ماريانو) بالرغم من كونه رجل دولة وقانون من حديد ، لكنه رجل هش ومتردد . ومن خلال هذا التناقض الدقيق جدا يرتكز الفيلم على الشخصية التي يجسدها الممثل “ سيرفيلو” في التعاون السابع مع المخرج “سورينتينو “ . يعيش الرئيس الإيطالي “ماريانو دي سانتيس “تحت ظل غيرة لا تنطفئ: فهو مقتنع بأن زوجته أورورا قد خانته قبل أربعين عاماً، ويشك برفيقه وزميله في المدرسة “ أوجو رومانو “ الرجل الطموح كي يصبح رئيساً للجمهورية “ ، الحب إذن ليس مجرد حنين بل جرحا ، والنعمة تصبح غفراناً مفقوداً، وشكوكاً تلتهمه . إبنته دوروتيا (آنا فيرزيتي) هي مساعدته وصندوق أسراره وهي أيضا قاضية وذكية للغاية: لكنها ليست متزمتة ، رغم أنها اختارت العيش تحت ظل والدها الأرمل ماريانو . بعد أن توفيت زوجته قبل ذلك بعدة سنوات . ماريانو لا يتغير ويشبه دستور بلد ينهار . الحكومة الإيطالية يسارية على ما يبدو وليبرالية – ترغب في أن يوقع الرئيس ماريانو القرارات قبل نهاية ولايته، قبل أن يحل محله رئيس أقل تحفظا. ولكنه متردد. تعاني إبنته دوروثيا من الانتقادات القضائية . يتجادل يوميا مع صديقته العزيزة كوكو فالوري (ميلفيا ماريليانو)، مصرا على معرفة من هو عشيق زوجته . يغرق في ألم تلك الخيانة مع مرور الوقت . “ماريانو دي سانتيس “ رجل عالق في الماضي، الى الأيام الجميلة الذي قضاها مع زوجته أوروره ، لكن الشك يتسلل إلى تلك اللحظة المثالية أيضا. هناك حزن في ”لا كرازيا”، لكنه ليس المفتاح الوحيد للفيلم . ويفاجئ سرد الفيلم: في توازنه بين الأناقة والعمق والخفة، بين التأمل الأخلاقي ولحظات الفكاهة الخفية التي تكاد تكون غير متوقعة . وأخيرا، يظهر فيلم النعمة” ثقة المخرج بالشباب: “في الفيلم، يتبنى الرئيس فكرة الجيل القادم، بدلا من أن يغرس نفسه في جيله الخاص. هناك تغيير عميق جدا في الطريقة التي نحن بها في العالم بيننا وبين شباب اليوم، فهم يطالبون بحق بأن تحترم تجربتهم وألا تحارب بأي ثمن”. محرك الفيلم “يبقى الحب، وهو أساس اختيارات الرئيس . بالنسبة للمخرج “سورينتينو “ الشك ليس هشاشة، بل فضيلة منسية. يؤكد الفيلم أن الشك يجب أن يكون شرطا ضروريا للحكم، وليس عقبة. ثم يصبح الرئيس دي سانتيس رمزيا له: رجل لا يتوقف عن التردد،. كما يتضح أيضا من ملاحظات المخرج، فإن ”لا كرازيا” بالنسبة لباولو سورينتينو هو فيلم عن الشك ليس كضعف، بل كممارسة ضرورية خاصة في السياسة . الرئيس رجل يحب القانون الجنائي، والعائلة ، والاستماع إلى الحاضر من خلال أولاده، ولهذا السبب بالذات يرفض حزمة اليقين التي تهيمن على النقاش العام المعاصر ، والمسؤولية الأخلاقية تصبح بذلك ليست أفعالا تعرض، بل أعباء يجب دعمها. يدعي سورينتينو قيمة الشك كأساس للعمل السياسي والإنساني . شرح المخرج سورينتينو في المؤتمر الصحفي أن الإلهام جاء من قصة إخبارية ، بعد عفو منحه الرئيس الثاني عشر للجمهورية الأيطالية “سيرجيو ماتاريلا “ . من هناك يبنى شخصية ليست نسخة من أي رئيس حقيقي، بل مزيج شعري من العديد من الناس. ماريانو دي سانتيس واقع في الحنين لذكريات حب زوجته الراحلة ، ويحب ابنته دوروتيا (آنا فيرزيتي) كثيرا، ومخلص للقانون وقوانينها التي درسها طوال حياته. إنه رجل يعيش في شك .رئيس الجمهورية هو قاضي بالأساس، لكنه أيضا أرمل ورجل عائلة. وممزقا بغياب زوجته المحبوبة تطاررده صورتها وخيانتها بعد حياة مشتركة مدة أربعين عاما ، تلك الخيانة التي تعرض لها لم يستطع بعد أن يربطها بوجه أو اسم. لكن هذا البحث المستمر والمهووس عن الحقيقة لا يؤدي إلا إلى زيادة الشكوك . يواجه أيضا معضلة إخلاقية في إصدار طلبين للعفو لا يبدو أنهما يشبهان شيئا، سيدفعانه لطرح أسئلة مهمة عن الحياة والموت. ، كما تصرخ صديقته المقربة كوكو فالوري، الناقدة الفنية التي تلعب دورها (ميلفيا ماريليانو)، تحفزه على توقيع قانون القتل الرحيم واتخاذ قرار بشأن طلبين حساسين للعفو عن الرجل والمرأة . في النهاية ، أصبح لفيلموغرافيا سورينتينو الآن خطوة إضافية، عنصر أكثر من ناضج، في سياق التأمل بين الماضي والحاضر، لا سيما بين الهياكل الاجتماعية والسياسية التي تمثلها بعض الأحزاب في إيطاليا التي صنعت التاريخ لقربها من الإيمان الكاثوليكي، وقواعدها التي أصبحت قديمة كما هي الآن موحدة . قوى التغيير في محاولتها تحدي جمود النظام، تصطدم بواقع صلب، يكاد يكون منيعا: شخصية الرئيس ماريانو دي سانتيس، الذي يلقب ( الخرسانة المسلحة ) يقول كل شيء وفي الوقت نفسه لا يعبر كثيرا عن شخص يعرف القليل حتى عن نفسه. الشخصية التي أداها “ توني سيرفيلو” ببراعة هي استعارة مثالية لطبيعته الجامدة، حيث تجسد من جهة اللامبالاة والصلابة لشخص بنى مسيرته على رؤية لا تتغير للعالم . المخرج يمنح أخيرا شخصياته وقتا للصمت والبكاء المكبوت والتأمل الطويل. وحدة السلطة . في قلب العمل يبقى السؤال المدمر الذي يحرك الفيلم بأكمله: “أيامنا لمن ؟”وهو تحقيق عميق في تقرير المصير، يعيقه الالتزامات الأخلاقية والروابط العائلية . ثقل الحكم: من النقاش المؤسسي إلى المعضلات الأخلاقية إخراج “سورينتينو “ متكامل بشكل غير معتاد في هذا الفيلم: فضاءات رئاسية بقاعاتها الضخمة، وممراتها التي لا تنتهي، والسلالم الرقيقة، تتحول إلى حد كبير كشخصية بحد ذاتها تعبر فيها الكاميرا بحركات سلسة لكنها متحفظة، كما لو أن العدسة نفسها تشعرك بثقل القرار والقيود. كل لقطة تبدو مشحونة بتوتر ملموس، وكأن البيئات نفسها تحبس أنفاسها مع البطل. يدور جوهر القصة الدرامي حول القرارات التي طلب من دي سانتيس اتخاذها في الأشهر الأخيرة من ولايته: ، بعيدا عن الجدل المؤسسي، تظهر ديناميكية الأسرة: العلاقة مع ابنته دوروتيا (آنا فيرزيتي)، وهي قاضية مخلصة، ومع إبنه ريكاردو (فرانشيسكو مارتينو)، الموسيقي ذو الحس العصري والمنفصل. هذه العلاقات، إلى جانب التواصل مع شخصيات حيوية ومزعجة، تقوض الصرامة المجازية للبطل. من بينهم جميعا تبرز كوكو فالوري (ميلفيا ماريليانو)، مصممة فوضوية ، وبفضل حيويتها شبه المتمردة تصبح مرآة عاكسة لإخلاقيات للرئيس . “لاكرازيا” تعني كل من “عفو” و”نعمة”، وهما مصطلحان متداخلان إلى حد كبير ، وقد تم إعفاؤها من الضمني إلى الصريح خلال فترات تأمل دي سانتيس الطويلة مع أقرب مستشاريه وابنته، دوروتيا (آنا فيرزيتي). لكن في هذا الوقت من الانقسام السياسي، والفساد الحكومي، والكراهية الخالصة لمن نختلف معهم، فإن السرد يتمحور حول أكثر من ذلك بكثير. طريقة مغادرة الرئيس ديسانتيس لمنصبه، مع كرامته وحكمته ، تجعلنا نشتاق إلى الأيام التي يمكننا فيها النظر إلى قادتنا بإعجاب. ، لكن إبداع سورينتينو الحزين يقدم تصويرا رائعا لرجل كرس حياته للخدمة والشعب. في المشهد الذي يذهب فيه الرئيس لزيارة السجين في السجن قبل إتخاذه القرار كان مدهشاً ورائعاً، حين يصر على الجلوس في غرفة الانتظار مع زوار آخرين. إنه مشهد صامت ، بينما ينظر هؤلاء المواطنون بشكل عابر إلى رئيسهم الجالس بينهم، دون أن ينطق بكلمة واحدة . في الفصل الأخير من “لاكرازيا” نصل إلى اللحظة التي يغادر فيها “دي سانتيس ” القصر الرئاسي. في أول يوم تقاعد له قرر إجراء مقابلة مع مجلة فوغ . وأثناء حديثه للصحفي، يتشتت انتباهه ويبدأ في الحديث عن أزياء زوجته: ملابسها، إكسسواراتها، التفاصيل التي تحبها، اللحظات المتعلقة بما ترتديه.. ينتهي الفيلم بالمشهد الأخير . حين يجري ”دي سانتيس” مكالمة فيديو مع ابنه وابنته، مسترجعا قراراته الأخيرة كرئيس، بما في ذلك منح أحد العفوين، وهما الأكثر صدقا وأهمية، والقرار لصالح القتل الرحيم. ثم يسمعه إبنه يعزف له أحدث قطعة موسيقية له، برفقة الموسيقى، يصل إلى الفضاء، يطفو بلا وزن كرائد فضاء. في تلك الصورة يظهر أخيرا الخفة التي كان البطل يبحث عنها ويرغب بها، مما يختتم الفيلم بضربة عاطفية كبيرة .يدعونا الفيلم للتأمل في مواضيع عالمية: الحياة والموت، القتل من أجل الحب، والشكوك التي ترافق خياراتنا اليومية بين القلب والعقل . “لا كرازيا “، فيلم سياسي عميق لأنه يرفض الشعارات ، يقدم لنا باولو سورينتينو عملا يتحدث عن السلطة والإيمان والقانون والموت، لكنه قبل كل شيء يتحدث عن المسؤولية الأخلاقية لرجل الدولة . *كاتب عراقي