هل نحن صحفيون بالفطرة؟

مع حلول الصيف، تفرض الشمس سطوتها لتكشف الخبايا، تماماً كما تفعل الصحافة حين تسلط ضوئها على الزوايا المهملة. ولطالما آمنت أن الصمت في القرى يعني الغياب، والكلام هو الدليل الوحيد على أنَّ الحياة مستمرة. هناك، لا يتبادل الناس الأحاديث لتمضية الوقت فحسب، بل يمارسون نوعاً من «الصحافة الفطرية»؛ ليعلنوا للعالم أنهم ما زالوا يقاومون الفناء والنسيان. ففي قرانا، كما في عوالم “ماركيز” وقريته “ماكوندو” الأسطورية، تملأ الحكايات الفراغ الذي تتركه فترة الظهيرة؛ حيث يسير الزمن ببطء شديد، ولا يكسر رتابة هذا الفراغ سوى الحكاية. وتناقلها هو الطريقة الوحيدة لضمان أنَّ المدى لم يتوقف عند حدود الجبل أو الوادي المجاور. الحكاية هناك ليست مجرد تسلية، إنما هي الوسيلة التي يروض بها الناس وحشة العالم. هذه الدهشة لمستُها يقيناً حين جلست بجانبي سيدة من القرية؛ كانت عيناها تلمعان بفضولٍ فطري يوازي دقة المحققين، حين سألتني: “هل ما تكتبينه حقيقة أم خيال؟”، لم تكن تستجوبني بقدر ما كانت تمارس حقها الوجودي في استنطاق الحياة. هذا الشغف هو ما ساقني نحو عوالم ماركيز؛ ذاك الذي لم يخلع عباءة الصحفي حتى وهو يرتدي تاج “نوبل”. لقد علّمنا أنَّ الحكاية ليست فيما حدث، بل في “كيف تُروى”. فالصحافة هي المدرسة التي تمنحنا “التنظيم الجيّد للكلمات”؛ وهي المهمة الأصعب التي تُهذّب النص، وتعدّه ليكون حكايةً صالحةً للبقاء. هذا الربط بين الرواية والخبر يعيدني فوراً إلى المجالس الأولى؛ حيث كان كل عابر سبيلٍ يروي خبراً يهتز له الحاضرون. هؤلاء البسطاء كانوا يمارسون أرقى الفنون دون أن يعرفوا لها اسماً؛ يفلترون الحقيقة من زيفها، ويصيغون الخبر بفراسة العارفين. ولم تكن البراعة فيما يروونه فحسب، بل في تلك النبرات التي يديرونها بفطرتهم؛ يرفعونها لتشعل الحماس، ويخفضونها ليبقى سراً. ذلك الأداء الفطري علّمني أنَّ للكلمة رنيناً؛ وأنا اليوم أحاول أن أمنح القارئ تلك الدهشة التي سكنتني وأنا أنصت إليهم. فإذا لم يشعر القارئ وهو يصافح نصي بأنَّ الأرض تمتد من تحته، وبأنَّ الحكاية تتوغل في روحه.. فأنا لم أؤدِّ أمانة الكلمة كما ينبغي.