قبل أن تفرَّ اللحظات.
مع اقتراب موسم الصيف، تتوق النفس لجلسات الصباح الباكر تحت ظلال النخيل ولمّا تسطع الشمس بكامل وهجها بعد، مع فنجان شاهي على ما قسم الله من فطور، ولمّة حوله مع بعض الرفاق والأحبة. أعجبني رجل تعوّد على جمع أصدقائه بقوله، وأنقلها كما خرجت من فمه: “نريد أن نهرج مع بعضنا قبل الرحيل”. الكلمة فيها مرارة وصدق ونبل، ولا أخفيكم أنها أثّرت فيّ، وشعرت أننا بالفعل بحاجة أن نتحدث ونتبادل أطراف الكلام الطيب مع بعضنا كلما سمحت الظروف، لأن من طبيعة اللحظات الجميلة أن تفرّ، كما قالها صديقي الشاعر يوسف فضي الرحيلي: يا أبا أحمدٍ تفرُّ الليالي من يدينا كما تفرُّ الثَّواني ليْسَ يبقى سوى مَساءٍ نديٍّ بِحديثِ الخلّانِ للخلّانِ وحديث الناس الطيب الندي مع بعضها ليس بالقليل، خصوصاً حين تتنوع الأجيال والخبرات. وفي عالم الأدب خرجت عشرات الكتب التي رصدت أحاديث الناس، وإن تفوّق الأدباء والشعراء في كلامهم بحكم ما يمتلكونه من مواهب، لكن الحكمة لا يعدمها أي إنسان تقلّبت فيه الحياة، ولذلك قيل: “الحكمة ضالة المؤمن أنّى وجدها فهو أحق الناس بها”. من أحاديث الناس خرجت كتب ظلت تُقرأ بعد قرون، ولعل أجمل ما في الأمر أن كثيراً مما نعدّه أدباً رفيعاً لم يكن في أصله إلا مجلساً جمع أصحابه، فما كتاب “الإمتاع والمؤانسة” لأبي حيان التوحيدي إلا تسجيل لما دار بينه وبين وزيره ليلة بعد ليلة، وما “العقد الفريد” لابن عبد ربه إلا ما التقطه من أحاديث الخلفاء والعلماء في مجالسهم، وكذلك “الأغاني” لأبي الفرج الأصفهاني. حتى الأدباء في نهاية المطاف لم يكونوا إلا ناساً جلسوا مع بعضهم، فانساب الكلام الجميل من بينهم كما ينساب الماء من بين الصخور. أعود لتلك الجلسات الصيفية الماتعة تحت سعف النخيل وأتذكر جلستي مع أحد المزارعين يحدثني عن أهازيجهم التي يكسرون بها رتابة العمل المستمر، وسبق لي تدوين عدد منها في مقالات نشرتها اليمامة تحت عنوان “أهازيج الحصاد” قبل أن يتطور إلى بحث قدمته في ملتقى قراءة النص 21 في النادي الأدبي الثقافي بجدة. الجلوس مع الناس الطيبة يدفع الهموم، وقد قال عبدالله المبارك وهو من شعراء العصر العباسي: إذا ما اجتمعنا كان حسنُ حديثهم معيناً على دفعِ الهموم مؤيَّدا