الوصية: قصة النبي موسى والتراث المشترك.
في مارس 2024 أطلقت منصة نتفليكس عملها الدرامي الوثائقي “الوصية: قصة النبي موسى” (Testament: The Story of Moses)، المكون من ثلاث حلقات طويلة. يمثل هذا العمل محاولة جادة لإعادة سرد إحدى أعظم الروايات الدينية في التاريخ البشري، مستعيناً بأسلوب يمزج بين الإعادة التمثيلية الدرامية والتحليل الوثائقي. من خلال مقابلات مع رجال دين ومؤرخين وخبراء من اليهودية والمسيحية والإسلام، يقدم العمل موسى عليه السلام على أنه إنسان يمر بتحول عميق: من أمير يعيش في رفاهية قصر فرعون إلى قاتل هارب يلجأ إلى مدين، ثم نبي يتلقى الوحي الإلهي ويقود شعبه نحو الحرية. تبدأ الرحلة بولادة موسى في أجواء مرعبة، حين أمر فرعون بقتل أبناء بني إسرائيل الذكور، تنقذه أمه بوضعه في صندوق وتلقيه في نهر النيل فيأخذه قصر فرعون ويربونه كإبن. ينشأ موسى فيما بعد ممزقاً بين ولائه للقصر وعذاب شعبه، حتى يبلغ ذروة الصراع الداخلي بقتله مصرياً دفاعاً عن عبد عبري، فيهرب إلى أرض مدين. هناك يعيش حياة الرعي ويتزوج ويجد السلام قبل أن يُكلف بالمهمة الإلهية الكبرى في الوادي، حيث يكلمه الله ويأمره بالعودة إلى مصر مصحوباً بأخيه هارون لمواجهة فرعون وإطلاق بني إسرائيل. يصل التوتر الدرامي ذروته في سلسلة المصائب التي تصيب مصر، ثم في لحظة الخروج الجماعي المهيبة وشق البحر الذي يغرق فيه فرعون وجنوده. تنتهي الرحلة بتلقي موسى الشريعة والوصايا على جبل سيناء، وسط تحديات التيه في الصحراء. يبرز العمل الجانب الإنساني في شخصية موسى: تردده، وغضبه، ومسؤوليته الثقيلة كنبي. ما يميز “الوصية” هو إبرازه التراث المشترك بين الأديان الإبراهيمية الثلاثة. تتفق اليهودية (في التوراة) والمسيحية (في العهد القديم) والإسلام (في القرآن الكريم) على الخطوط العريضة للقصة: الاضطهاد والإنقاذ، والدعوة النبوية، والمعجزات، والخروج، والعهد الإلهي. موسى في الجميع نبي عظيم وكليم الله، ورمز للتوحيد والعدل والتحرر من العبودية. هذا التشابه يجعل قصته جسراً حضارياً يعكس وحدة الرسالة الإلهية عبر العصور. والاختلافات بين الروايات تبقى طفيفة وتفصيلية، لا تمس الجوهر. في الرواية الإسلامية يُبرز دور آسية زوجة فرعون في إنقاذ موسى ورعايته، بينما تعتمد التوراة على أنها ابنة فرعون. كما تختلف التأكيدات اللاهوتية: اليهودية تركز على موسى كـ”موشيه رابينو” مشرّع التوراة، والمسيحية تراه نبياً ينبئ بمجيء المسيح، أما الإسلام فيؤكد على التوحيد الخالص والرحمة الإلهية. يتعامل العمل مع هذه الروايات بتوازن لافت ودون انحياز واضح مما يعكس احتراماً للتنوع الديني. نقدياً يحتل الوصية موقعاً وسطاً بين الإنتاجات السينمائية السابقة. فهو أقل إبهاراً بصرياً من “الوصايا العشر” (1956) لسيسيل بي. دي ميل، الملحمة الهوليوودية الكلاسيكية التي جسدها تشارلتون هيستون بأداء أيقوني، واشتهرت بمشهد شق البحر الذي لا يزال يُذكر حتى اليوم. ومع ذلك يتفوق العمل الحديث في التحليل والتوازن بين الدراما والتأريخ. أما “أمير مصر” (1998) الفيلم المتحرك من دريم ووركس، فيبقى تحفة عاطفية موسيقية تركز على العلاقة الأخوية بين موسى ورمسيس، لكنه يميل أكثر نحو الترفيه العائلي. في المقابل يبتعد “الخروج: آلهة وملوك” (2014) لريدلي سكوت عن الروح الدينية مقدماً موسى كقائد عسكري في فيلم أكشن تاريخي وهو ما جعله أقل قبولاً لدى الجمهور الديني. يتميز الوصية بإنتاجه الحديث وقدرته على مخاطبة جمهور معاصر يبحث عن المعنى وسط الصراعات. إنه يقدم دعوة للتأمل في قيم الحرية والعدل والإيمان، رغم بعض التحفظات حول سرعة الحلقات أو اختيار بعض التفاصيل، إلا أنه ينجح في تقديم رؤية متكاملة تجمع بين الوجدان الديني والسرد الفني. “الوصية” يذكرنا بأن إعادة رواية هذه القصص في كل عصر هو محاولة لاستلهام دروسها في زمن يحتاج فيه العالم إلى ما يجمع القلوب أكثر من ما يفرقها، فقصة موسى عليه السلام رسالة إنسانية خالدة. ومع الاحترام لوجهات النظر التي ترتأي عدم تقمص شخصيات الأنبياء، إلا انه، على كل حال، عمل جيد لكل من يبحث عن دراما هادفة وتأمل روحي عميق.