حصانٌ مكتوف بحرف.

على امتداد الرواق المرصوف بالحصى الأبيض أسفل طبقة من القش ونشارة الصنوبر ترتص حجيرات آخور الخيل التي فرغت خلال الأشهر الماضية ولم يبقَ بها سوى حصان وحيد. وقف حسان إزاءه متمعناً عينيه اللتين تفيضان بجموحٍ كثيف وهاله ارتعاش حدقيتهما واتساقهما بعاطفة تجيش في روعه منذ زمن بعيد فبدتا له كجمرتين يتطاير شرارهما وبدا اللجام كظلٍ يحاول أن يُسير عاصفة. كانت الشمس قد لامست حافة الأفق عندما باغته شعور بأن ثمة ما يخنقه كما تخنق الحظيرة نزوع الحصان، وأنه بحاجة إلى ذلك الهواء الذي يندفع بشدة وعنف نحو وجهيهما حين يركضان معاً ليهذب الشوائب التي تتجذر في صدريهما، وسرعان مااتقدت رغبتهما في أن يركضا عبر سهول بلانهايات. حينها لم يعرف تفسيراً لذلك الشعور، ولكنه ظل متصلاً به لأشهر، كما بقيت وشيجة غامضة بينه وبين عيني الحصان كخيطٍ غير مرئي يشده نحو شيء قديم يغفو أسفل طبقات التعب والرضا القسري، وكلما أمال الحصان عنقه أو رمقه بنظرة حنق اشتدت في عنق حسان عضلةٌ منسية، وكأن الجسدين يتشاركان عصيباتهما. يؤمن حسان أن روحه محبوسة في جسدٍ يُلزمه بطقوسٍ اجتماعيةٍ معقدة، أما جسد الحصان فحرٌ كالماء متى أراد الركض أطلق ساقيه للريح ومضى يجر هيكله بهيئة تصور ما يشعر به، يصهل مستبشراً ومرحباً ويجمح معبراً عن غضبه ولذلك أحبه، أحبه دونما اكتراث وراق له ماهما عليه، لكنه في الآن ذاته كان يعلم أن شريطاً جلدياً يستطيع حبسه عن مراده. في الصباحات حين تنساب النسائم بعبيرها ويَمنحها الندى لدونته يمضي حسان بحصانه عبر الطريق المتعرجة، ككائنان خرجا من حلمٍ ليتشاركا حريتهما، وفي المساء حين تسدل العتمة رداءها وتفوح رائحة القش والرطوبة في جنبات الياخور كان حسان يقف إزاء الحصان متأملاً إياه. يخطر له كم يتشابهان أكثر مما يظنان، ويقارب ظنه بأنهما ليسا سوى حصانين أحدهما محكوم باللجام، وأخر بشيء لايفهمه. كان الحصان يطرق الأرض بحافره فيرتد الصدى كنبضة مضخمة من قلب حسان فإذا مااقترب منه ونظر إلى عينيه شعر بأن شيئًا ما قد انفتح بينهما، وكأن جلديهما انشقا عن عصبٍ يمتد من صدره إلى صدر الكائن الأسمر. لم يعد يرى الحصان كجسدٍ أمامه، بل كامتدادٍ لارتجافاته القديمة، كمرآةٍ تقف على قوائم لتعكس مايجول في نفسه، كل رعشةٍ في عنق الحصان كانت تشعل في وريد حسان خليةً معتمة وتحيلها إلى جمرةٍ متقدة، وكلّ زفيرٍ يطلقه الحصان كان يصل إلى رئتي حسان وكأنهما يتقاسمان الحرقة ذاتها. شعر فجأة أن الفارق بينهما ليس سوى وهمٍ لغوي، وأن ما أسماه البشر اختلافًا ليس إلا طريقةً أخرى في التسمية. خطر له على نحوٍ خاطفٍ ومخيف، أن اسمه واسم هذا الكائن يتشابهان ويتشابكان كما تتشابك ظلال الأشياء عند الغروب: حسّان… حصان. حرفان ضئيلان يصنعان الفرق والوهم أيضاً، كلاهما حرفا صفير يلتصقان ويخرجان من فويق الثنايا السفلى ومستدق اللسان لكن شّدة أحدهما كافية لتجعل صاحبه سيداً، شّدة ضئيلة كقشة طائرة! فيما تضييق مجرى الصوت جعل الآخر مسوداً. وكأن اللغة نفسها قررت أن تمنحهما مسارين متجاورين لا يلتقيان... اللغة منحت أحدهما وسلبت الآخر ولكن ماذا لو تبادلا موضعيهما. حرف ضئيل! طفت على شفتيه ابتسامة رطبة، كمن اكتشف أن سجنه مكتوب في اسمه، وأن الحصان مكتوف في حرف، وتساءل: ماذا لو أسقطتُ هذا الحرف… هل أُصبح حرًا؟ ذات ليلةٍ شاتية حضر مالك الياخور برفقه زوجته وأمر بنقل الحصان في الغد إلى موضع لم يفصح عنه. جاءت الكلمات ثقيلة بما يكفي لتُفقد حسان صوابه بيد أنه لم يحتج، ولم يسأل، بل عاد إلى موضعه قرب الحصان، ومد يده على عنقه الطويل، متحسساً ارتجافةً بدت وكأنها تتجاوز جلده. تلك الليلة، لم ينم حسان، كان يرى نفسه في ممرٍ طويل تحشره الجدران ببطء فيما يقف الحصان بعينيه الواسعتين في آخره وكلما حاول الوصول إليه تمددت المسافة وضاق الممر وحلك. فجراً، فتح باب الياخور بهدوء واقترب من الحصان وحرره من لجامه وخرجا معاً فشعر أن الهواء يعبر صدريهما معاً، ركض الحصان قليلاً، ثم توقف، اقترب حسان من عينيه مرة أخرى ونظر فيهما فلم يرَ تمرداً فحسب بل رأى نفسه موثوقاً بحبالٍ غير مرئية وأدرك على الفور أنه لم يحب الحصان لأنه مختلف عن البشر، بل لأنه يشبهه أكثر مما ينبغي، ولأن كلاهما كان أسيراً لطريقةٍ ما في الحياة، لكن أحدهما الآن استعاد حريته. ركض الحصان. ركض كما لو أن الأرض خُلقت لتوّها وبُسطت تحت نوابضه أما حسان فجلس أعلى كومة القش، مبتسماً للمرة الأولى منذ شهور، وتمتم: «أنت لم تكن حصاناً يا صديقي، بل كنت احتمالًا آخر لي، وأنا لم أكن إنسانًا، بل حصان يُجيد الوقوف، والفرق بيننا لم يكن سوى حرف ضئيل».