حين يتعلق الأمر بقصيدة الشاعر الكويتي نشمي مهنا فنحن إزاء كتابة تراوح بين الأنا والأشياء والذاكرة، وذلك في سياق تأثير على هوية المكونات الشعرية، مما يسوغ التوقف عندها وتبين دلالتها وكيفية اشتغالها. وهذا التوقف محفوف بالمخاطر، لأنه قد يقود إلى نتائج لا تقترن بهذه التجربة فحسب، وإنما تفتح أفق تناول نماذج مشابهة وقريبة من هذا الإحساس الشعري المختلف. ومهما اختلفت تجليات الأنا والذاكرة والأشياء، وبدت بارزة أو مستترة، منفصلة أو متصلة، وسواء كان حضورها مهيمنا أو خافتا. فإنها تقود إلى الإيحاء بالرؤية الشعرية التي تبناها الشاعر. رؤية تسعى إلى إحداث مصالحة مع الأنا وهي تعيد صياغة علاقتها بالذاكرة والعناصر على نحو مختلف مبني أساسا على الاستدعاء والمفارقة. فقصيدة نشمي موجهة إلى فرد بعينه يعيش الوضع ذاته والذكريات نفسها التي تحيكها اللغة وهي تهب الأشياء اعترافا مجازيا في حضرة الأنا. وكأن القصيدة تصف المواقف لتزيح الصمت والمحو والفراغ. يقول الشاعر في قصيدة “شجر يشكو الوحدة”: شجر يتطامن في ليل حديقتها يتنازل عن قامته ويشاركني المقعد يتذكر: فيما يهرب من وساوسه مطرا يمحو نوايا الريح اصلا مرتبك الخطوات وخشبا مرتعدا في يأسه تحت قدمي سنجاب يتأملني يقرض لحاء الوحدة أبسط كفي إليه وأصمت يقرأ خطوط الحلم. وحيدا كنت ووحيدا مثلي كان . يهب الشاعر للحظة اعترافا مجازيا بوحدته، وكأن القصيدة تصف الموقف لتغادر الصمت والمحو. هنا الوضع الوجودي يختزل استدعاءات الذاكرة من خلال مؤشرات طبيعية وأشياء ملموسة لم يكن استدعاؤها من باب التوشية والتحليق، وإنما لتذكي حجم الوحدة التي تتمثلها القصيدة. فالعنوان يرسي هذه الرؤية، وذلك من زاوية الزمن والوضع والإحساس. ولعل الشاعر يتعمد أن يستعير الوحدة والعزلة بالقياس على الوضع الطبيعي لمكون الشجرة. إذن، الشجرة شيء دال في شعر نشمي، تفسح المجال أمام الأنا كي تعبر عن إنيتها داخل الوجود. وهذا التداخل بين الشعر والشيء لا ينفك أن يحول إلى نزاع دلالي لأن اللغة تسمي الأشياء و” وتقدم جاهزية الأسماء وتفصلنا بذلك عن الأشياء. لا نعود نلمسها أو نتلمسها كي نقف على حقيقتها. مأخوذون بأسمائها، نتداولها ممتلئة بحقيقة”. حقيقة الشعر ليس في لغته فحسب، وإنما في التفاته إلى العناصر والأشياء التي تشيد المعنى تشييدا أحاديا ممتدا في حاضر مدلول الشيء ومستقبله الوجودي. وعلى امتداد واحد وعشرين نصا يشكل نشمي عالما شعريا يخصه هو وحده، بكل الأشياء التي ارتضاها أن تخلق دلالتها داخل السياق العام. فهو يستلهم الطبيعة ليس في ذاتها، ويستدعي الأشياء ليحملها معنى جديدا، وتقوده الذاكرة ليس للبوح وإنما كشاهد تاريخي عن مواقف إنسانية قد يكون بطلها في لحظة ما. بل حتى التفاصيل التي يحفل بها الديوان قد تكون خداعة، لأن جرأتها تفوق الوقائع وتعرج نحو وجهة العجب والغرابة. إن موقع الشاعر في الديوان يتعهد بدمج الأنا في صلب الوقائع، وهذه المزية تلغي المسافة بين الشاعر ومحيطه، وتكشف عن قيمة ملامسة الحدود القصوى للطبيعة والحلم، فيجد القارئ نفسه أمام إلماعات شعرية تنتجها القصيدة عن ذاتها. وهي إلماعات دينامية متحصلة عن التجربة لا عن مقولات قبلية. فما تبنيه القصيدة من مواقف وتصورات، وما تخربنا به من وقائع وأحداث تنتسب في جوهرها إلى سيرة الأنا. وكأن الخطاب الشعري ذات تسرد تاريخها من موقع خاص. إن قصيدة “حمى” لا تكشف كل شيء عن مسار الديوان ووجهته الدلالية فحسب، بل تعلي من الرؤية التكثيفية لمفهوم الألم واليقين بأن الخيبة جزء من وجود الأنا. الشاعر لا يكترث للعواطف المهادنة، بل يشيد اليقين بالخيبة وهو أشبه بالأمان بأن الذي يتسلل إلى وجوده هو الخوف والإحساس بالأيام واللحظات وهي مبعثرة لا تترتب أبدا حتى مع شريكه في الألم. يقول الشاعر: الحلم المشتهى، خارطة العمر إلى غده، خلخلة الوزن في مقطع غامض، وهي الليل حين يخط على خشب مهمل في المرافئ والناي إذ يرث الحزن عن غابة صوتها صوتها ذاتها في المرايا قبلة لا تكرر أنفاسها... الشاعر مثل الناي يأخذنا بعيدا عن منطقية الأشياء إلى آلية الأنا، وهنا لا يبدو الصقل نقيضا للاستدعاء، وإنما تتويجا للصورة الخافية وما يعتليها من غموض مقصود عبر مجموعة من المفارقات؛ إذ تحس وأنت تقرأ هذا المقطع، ونصوص ديوان “الآتية كغد مألوف” أن الشاعر يواكب تمرده على العالم بما هو أنا وذاكرة وأشياء. وهو نفسه يمنح الكلمات ذاكرة مضاعفة تتسم بالاختزال وتوليد المعنى، وحتى الأشكال اللغويّة ليست أشكالا عارية خلوة من دلالتها، إنها تعلي من التماس الذي تقصده الشاعر وهو ينخرط في صلب تجربته ورغبته في تقييدها بالكتابة. وقد أسماها موريس بلانشو بالحاجة إلى الكتابة وذلك حين يتحقق الاقتراب من اللحظة المفصلية التي تعجز من خلالها الكلمات عن ترجمة الفعل. لعل التنظيم الذي ارتضاه الشاعر لمنجزه النصي يقوده إلى هندسة أناه كتابيا على نحو مرغوب فيه عنده، مادام استدعاء الأشياء كان من باب فقدانها، وتعميق دينامية الذاكرة قد تحقق من زاوية امتياز الموضوع الشعري. غير أن هذه الخصيصة قد جاءت لتضع النص في صلب الوجود المتحيز له، واختزال ظاهراتي للمدركات القابعة في ذلك المتناهي في الصغر. وما جاء في نص “نهارات منسية” لم يكن إلا ترسيخا لفضاء الذكريات ومختلف الوقائع التي كانت استثناء في المسار الحياتي. يقول الشاعر: بالصوت الملون، بالباص المزدحم بالشهوات المهذبة وغير المهدبة، بالزحمة، بالطوابير المفككة كجسر مريض، بالأنفاس الحالمة، بالضباب الساعي على حتفه فوق الزجاج، بالخبز الساخن ب “صباح الفل”، يسعون كمنحوتات فرعونية تجدد دهشتها كل صباح، نم، لا عليك الساعة الخامسة وضباب. ينهض هذا المقطع المستل من قصيدة “نهارات منسية” على الترابط غير المنطقي والمجال المشترك الذي يرهن الشاعر برحلته في الفضاء، ذلك أن الإحساس القريب بالمعطيات التي رسختها القصيدة يقتضي رمي أفق عالم برمته في صلب تجربة فردية. وهذا الأداء ينزع في شق كتابي إلى حماية الأنا من تشظيها وهي تخوض غمار العودة إلى أصلها الوجودي. واضح أن دينامية الأنا مرهونة بالذاكرة التي تكرس العقلية الفردية المستقلة والعائدة إلى أنا الشاعر، وأيضا بطبيعة الأشياء التي تؤثث فضاءه التخييلي، وهذا البناء الثلاثي الأضلاع لقصيدة نشمي يضطلع بوظيفة صون تماسك رؤيته الشعرية، ويعيد استنبات الدلالات المجاورة والموجهة لعملية الكتابة. فالشاعر ظل منجذبا إلى موضوعه يتعهده بالتفكير في اللحظة التي ساقته إلى مساءلة وجوده وتحديد موضعه، إذ لم تخل هذه المساءلة من اقتفاء للأمنيات وتعميق للخيبة، والبحث عن الخلاص في الأمنيات والأحلام. إن مساءلة الأنا والذاكرة والأشياء من خلال ديوان “الآتية كغد مألوف” للشاعر نشمي مهنا قد أتاح ما يمكن تسميته الإنصات إلى الكتابة من الداخل، وذلك على نحو يكشف عن تعالق التجربة بسلطة الكتابة. ثم هذا الاختيار يروم إدماج العناصر البنائية للديوان في سياقها المفهومي، وهو سياق يتحتم الحذر من هول الدلالة في حضرة الشعر. ولعل ما يجسد ذلك إفراد الشاعر الديوان لموضوع كلي لكنه منفتح ومنقاد وقابل للبلورة في سياقات خطابية أخرى. * شاعر وناقد مغربي