مسيرة ثقافية وقصصية حافلة..
قراءة في قصة محمد علي قدس (ظمأ الجذور) وإطلالة على منجزه الثقافي.
محمد علي قدس أديب مرموق وأيقونة ثقافية ، له وجود راسخ في الساحة الأدبية السعودية إبداعاً وتواصلاً، وحراكاً نشِطاً عبر أحد أهم المنابر الثقافية ممثلاً في النادي الأدبي الثقافي في جدة وفي فضاء الإبداع الأدبي بعامة ، وله عدد من المجموعات القصصية :(نقطة ضعف (1979 و(مواسم الشمس المقبلة) (1985) و(النزوع إلى وطن قديم (1986و )هموم صغيرة (1986 )ما جاء في خبر سالم: (1995) و (ظمأ الجذور (2012 وعدد من المؤلفات الفكرية والأدبية التفتت أقلام عدة إلى منجزه السردي فكتب عنه عدد من المهتمين بالإبداع في فن القصة القصيرة بوصفه ممن شاركوا في إثراء هذا الفن وتطويره في المملكة العربية السعودية ، فقد بدا دوره واضحاً في عِقدي الثمانينيّات و التسعينيّات الميلادية من القرن الماضي ، وهي مرحلة من المراحل المهمة في تاريخ هذا الفن في المملكة ،وفي سائر أنحاء الوطن العربي إذ بدا البعد النفسي و الوجودي بارزاً في تشكيله للشخصيّة في هذا الفن الذي يعدّه النقاد (فن الأزمة) إذ بدا اهتمامه بالاغتراب يشكّل نزعة وجوديّة شديدة الوضوح ، وهو ما ينسجم مع طبيعة هذا الفن الذي يبرز التوتّرات النفسيّة و المآزق الاجتماعية ؛ فالجانب الوجداني المشوب بالحزن ؛ فضلاً عن التقاط هموم الطبقة الوسطى الوليدة وأزماتها والمسكوت عنه في لحظات القلق و التوتر على هامش السلوك الاجتماعي ، و قد عُرف بخصوصية اللغة لديه بما تنطوي عليه من شاعريّة وإيقاع حزين وتستوقفنا العناوين التي اختارها لقصصه و مجموعاته بما تفضي به من دلالات رمزيّة دون أن يعني ذلك تهميش الهموم اليوميّة و التفاصيل ذات المغزى التي توميء - على نحو أو آخر- بما يتفاعل في حياة الطبقة الوسطى وأزماتها إبان مرحلة الانتقال الذي شهدته البنية الاجتماعية في زمن الطفرة . ظل قدس وفيّاً لجيل من الأساتذة الكبار يذكرهم ويثني عليهم ويقدّم فيهم شهاداته، والشهادات الأدبية توشك أن تكون فنّاً أدبيّاً مستقلاً كما تبدّى في كتابات الدكتور الصفراني الذي له قصب السبق في هذا المجال ؛ وكانت علاقة أديبنا قدس بأستاذه العواد وثيقة فوثّق سيرته وأوضح جوانب مسيرته وأبرزو دوره الرائد في التجديد ولم يقتصر دوره على ذلك ؛بل له حراك نشِط في هذال المجال ، و في نشاطات نادي جدة الأدبي ؛ ولم يبخسه زملاؤه في الساحة الثقافية حقه ؛ بل أدلَوا بشهاداتهم المنصفة التكريميّة فيه ؛ ودوره في مطبوعة (الراوي) السردية التي تصدر عن النادي الثقافي في جدة ، وكذلك النشاط المنبري والمؤسسي. كُتبت عنه العديد من الشهادات التكريمية في الصحف السعودية (مثل الرياض، عكاظ، والمدينة)، والتي ركزت على إسهاماته الجليلة خارج إطار التأليف؛ تحديداً نشاطه البارز في “نادي جدة الأدبي”، وعمله الدؤوب في تحرير مجلة “الراوي” السردية مشهود لا ينكره منكر، ولعل أصدق وصف وصف به أنه مثقف وأديب هاديء متأمّل ، ومن الأدباء الرواد الذين نوهوا بأدبه وبدوره في الارتقاء بفن القصة القصيرة عزيز ضياء فاعتبر إنجازه في هذا المجال نقلة حقيقية للقصة في المملكة العربية السعودية متجاوزاً بها السرد التقليدي ، وكذلك الأديبة اعتدال السباعي فأشارت إلى امتلاكه ذائقة فلسفية وبلاغيّة خاصة، وأشارت إلى أن “أدب المسرح” عند قدس يمتلك حبكة براعة يصعب تحويلها لمسرح مألوف لأنها “تنتصر للقراءة” بملكات لغوية شاعرية تتجاوز سلطة العامية وقيد التقليد ، وكذلك شيخ الأدب و النقد وأيقونة الحراك الثقافي عبد الفتاح أبو مدين (رحمه الله) الذي اعتبر قدس من الحرّاس الأمناء على ذاكرة الأدب في الحجاز، مشيداً بدوره في مأسَسة العمل الثقافي ومزجه بين الإبداع القصصي والإدارة الثقافية الواعية؛ وكذلك الدكتور علي عمر جابر (رحمه الله) الذي أشاد بولاء قدس لبيئته المكيّة، واهتمامه بالنماذج الإنسانيّة الشعبيّة، وقدكُرّم قدس في ملتقى قراءة النص في دورته الثانية و العشرين وأشاد الجميع بدوره بما يستحق ، وكان من أهم ما وُصف به أنه بأنه “جسر” يربط بين أصالة التأسيس وتطلعات التجديد. ولعلي في هذه القراءة المختصرة لقصته (ظمأ الجذور) التي اختارها عنواناً لمجموعته الأخيرة التي صدرت عام 2012 التي تعدّ ممثّلة لإبداعه السردي في ذروته أتلمّس بعض أبعاد رؤيته وجماليات هذا الفن لديه ؛ فهذا العنوان يبدو مؤشّراً حقيقيّاً على عمق الرؤية وجماليات المفارقة ؛ فالجذور هي التي تمتص رحيق الحياة وتلامس رطوبة الأرض ، واحتياجها للماء يمثل أقصى درجات التوق إلى مقاومة الذبول و الانطفاء ، وفي ذلك دلالة على الأزمة في أشد حالاتها . ثمة اغتراب روحي يطال مسألة الانتماء و البقاء ، ويمسُّ عروق الحياة و البقاء ؛ فالظمأ توق إلى التشبث بالوجود عبر (الماء) “وجعلنا من الماء كل شيء حيّ” ، هنا تتبلور ثيمة هذا النص ؛ فالنموذج البشري المحوري في هذا النص يتوحّد مع الصحراء “ جلده صار كرمل الصحراء المتموج .... الشمس في كبدها وقفت بباب حجرته معصوبة الرأس مبتلة اليدين و الصدر” ومعجمه الذي استثمره في هذه القصة مصدره كونيٌّ طبيعي ف(مزنة) التي يستغيث بها مستمدة من الغيمة الممطرة المغيثة التي تبدو في النص حائرة مأزومة ، تواجه عنت الطبيعة وهجومها الشرس الذي يكثف الإحساس بالمأزق الإنساني حيث تنقلب متحالفةً مع نذر الفناء وزلزلة الوجود رفعت يدها تظلل عينيها من وهج الشمس المحرقة ، جاءت ريح ترابية فصكت وجهها” فمزنة لم تعد قادرة على مواجهة الموقف الذي عاني منه بطل القصة المأزوم ؛ فمن أسماه (غيث) ينتمي إلى المعجم الكوني الطبيعي قد تأخّر ، ثمة صراع داخليٌّ يحتدم في ظل هذه المعاناة وحالة الكرب التي تتقاطع فيها الحالة الطبيعية مع الوضع الكارثي البشري ؛ ثمة غياب لكل ما يمكن أن ينشد فيه البطل ملامح الخلاص الذي يمثله غيث و مزنة ، فكلُّ ما حوله الذي يحتضن وجوده ويشكل كينونته يبدو معادياً له؛ فهو ينشد الخلاص ولكنه لا يستطيع إدراكه فقد انقطعت صلته بما يمده بالصبر و الصمود و البقاء ؛ فمزنة “ لفت بشيلتها السوداء، في يدها وقدة يده و حمى أنفاسها استيقظ في داخلها مارد الخوف “ وهو يناشدها “أين تذهبين ؟ لا تحرميني من النظر إلى عينيك الحزينتين “ وعبر الحوار الذي يدور بينه وبين مزنة التي ينشد لديها الخلاص تتبدّد الآمال؛ فهو كما صوّره الكاتب يجلس في قلب الشمس في لحظة اللا ظل وكأن الزمن قد توقف ، ساقاه ممدودتان كما لو أنهما تبحثان عن جذورهما في الأرض الظامئة ،وهي تضرب رأسها بالجدار ، وتجهش بالبكاء ، أما لحظة التنوير فقد بدت تكريساً للنهايات اليائسة في بحثها عن الجذور ، مما يؤكد الطابع الفلسفي للقصة ، حيث يتأكد مفهوم الاغتراب بأبعاده الوجودية كافّة والفجوة الواسعة بين الواقع و الرغبة ، اختزال لأزمة وجوديّة ناجمة عن الانقطاع بين الحضوروغياب الأصول والبقاء في مهب الرياح وقسوة الضياع ، تشخيص لحالة فقدان البوصلة في مرحلة من مراحل الانتقال الكبرى التي تشعر فيها الذات الانسانية بالضياع و الانقطاع عن الجذور. وفيما يتعلق بجماليات النص فإنه من الواضح أن شيئاً من الغموض يلف بناء الشخصيات ؛ فهي تتشكّل في صور نماذج بشرية ذات خصائص كلّية تبدو أقرب إلى أن تكون رموزاً ذات دلالات عامة ؛ ولكنها تحتفظ بارتباطاتها الواقعيّة عبر تفاصيل واقعيّة وسمات حياتيّة مشهودة في توصيف الكاتب لها ، ومن الملامح الجماليّة خروجها على البنية السردية التقليدية في البناء الفني وفق الثلاثية الأرسطية المعروفة (البداية و الذروة و النهاية) فثمّة تداعيات تتلاحق عبر حالة نفسيّة مأزومة، فالتفاعلات التي تشهدها القصة في مجملها ذات أبعاد نفسيّة و وجدانية صرفة في لغة شعرية مجازية ذات إيقاع هادىء يتسارع أحيانا ليعبّر عن ذروة الأزمة ؛ فالزمن في هذا النص ليس زمناً طبيعيّاً ؛ بل هو زمن نفسي يعبر عن الأزمة التي تتشكّل نتيجة العجز عن التحول من المعاناة إلى الخلاص ؛ وربّما ذهبت بعيداً أتجاوز السياق المحلي إلى أزمة الوجود الإنساني برُمّته في هذا العصر الذي تاهت فيه البوصلة . هذه القصة تنطوي على رؤية الكاتب ومنهجه ؛ فهو منشغل بقضية الإنسان ومعاناته في أغلب قصص مجموعته التي تحمل هذا العنوان. فهي تتغلغل في الحياة اليومية للشخصيات وتتمثل معاناته بأبعادها النفسية ، و تتمحور هذه القصة حول ثيمة الصراع مع الزمن وملاحقة السراب. ففي قصته “لهاث الشمس” تصوير لصراع الإنسان من أجل تحقيق رغائبه التي تنأى كلّما اقترب منها؛ فالشمس تومىء إلى الهدف وسباق الزمن ، بينما يمثل “اللهاث” معاناة الإنسان وشقائه بغية تحقيق أهدافه و (ضياع الهوية في الزحام) تتمثل ضياع الإنسان في زحام المدن الكبرى وفقدانه لجوهره الروحي ، و قصة “الخيط الرفيع” فيها تصوير لأواصر التواصل بين الأفراد ، وما ينجم عمّا يعانيه البعض من العقد النفسية و الضعف إزاء رغباته و مصالحه في علاقاته مع الآخرين . وعلى هذا النحو تبدو قصص المجموعة معبرة عن رؤية الكاتب ومنهجه الفني الذي يؤسس لدوره في إثراء هذا الفن السردي في الأدب العربي في المملكة العربية السعودية.