لحظة الحقيقة الخليجيّة:

قراءة في خيارات ما بعد الحرب الأمريكيّة الإيرانيّة(2)

الواقع السياسي المحلّي والإقليمي والعالمي اليوم وما نتج عنه من أخطار محدقة بالمنطقة يثبت أهميّة الإستفادة من أهم الخصائص الاستراتيجيّة لدول مجلس التعاون لدول الخليج العربيّة المتمثّلة في كونها متجاورة تتشارك الحدود والامتدادات السكّانيّة ومتشابهة في كل شيء تقريبا؛ من المكونات الديموغرافيّة ونظم الحكم والإدارة الى العادات والتقاليد والأصول القبليّة والطبيعة الجغرافية، ومتقاربة في الأهداف التنمويّة والتوجهات الجيوسياسيّة، ومنسجمة إلى حد كبير اجتماعيا وسياسيا واقتصاديا، وتعاني من نفس المخاوف والأخطار، ولا توجد موانع جوهريّة قاهرة تمنع إتفاقها على وحدة أو اتحاد من أي نوع تمكّنها من الإستفادة القصوى والاستخدام الأمثل لموارد وإمكانيّات الجميع في خدمة وحماية مصالح الجميع، وإحراز تقدّم ملموس في هذا الإتجاه أصبح من الضرورات الملحّة ومن متطلبات البقاء في العصر الحديث لأنّ الاستمرار في نموذج “الدويلات المنفصلة والمغلقة” أوصل المنطقة إلى ما هي فيه اليوم من مخاطر أو ربّما تهديد وجودي لبعض الدول. ولكن ما إن تطرح فكرة الوحدة أو الإتحاد بين دول مجلس التعاون، إلّا وتنبري بعض الأصوات الإنعزاليّة للرفض مستحضرة أسبابا غالبها افتراضيّة وتخيّليّة، ومعظم الأصوات المعارضة للاتّحاد في بعض الدول الخليجيّة، غالبا ماتكون مؤيّدة لوحدة إنتقائيّة تكون فعّالة فقط في الشدّة عندما تكون دولها بحاجة لنجدة المملكة العربيّة السعوديّة، أمّا في الحالات الطبيعة فترى إنّ لها مصالح خاصّة وتخشى ضياعها، ولذلك تريد إبقاء الحال على ماهو عليه زاعمةً إنّ ذلك خوفا على الامتيازات التي يتمتّع بها المواطن، وهؤلاء المعارضون لا يمثّلون إلّا قلّة في بعض الدول وبعضهم متأثّرون بمصالح أو دعاية أجنبيّة أو بعض الحزبيين الحالمين الذين يظنون إنّهم مناضلون عظام ولهم نفوذ في دولهم ويخافون من مشاركة الآخرين في الكيان الاتحادي الأكبر ويعتقدون إنّ الوحدة الخليجيّة ستقيّد أعمالهم. وتستخدم بعض الحكومات الخليجيّة للأسف هذه الأصوات النشاز عذرا للإبقاء على التجزئة، معتقدة إنّ لديها القدرة على البقاء والإستقرار بالقواعد العسكريّة واتفاقيّات الحماية الأحاديّة مع الدول الاستعماريّة الكبرى، وفي الحقيقة إنّه ليس هناك من ضامن لبقاء دعم الدول الأجنبيّة أو ديمومة الثروة، كما إنّه بامكان هذه الدول الحفاظ على بعض الميزات لمواطنيها بطريقه عادلة ومعقولة في اتفاقياتها مع دولة الاتحاد التي تستطيع تأمين أهم عناصر البقاء وهو الدفاع والإستقلال في السياسة الخارجيّة والسوق الكبيرة والقدرة الإنتاجيّة. ولكن وفي نفس الوقت فإنّ الوحدة الشاملة بالصورة المركزية الصلبة القديمة غير واقعية ويمكن أن تصطدم بعوائق تفشلها كالاقتصاد بين الدول والتركيبات السياسيّة في بعض الدول والحساسية من ذوبان السيادات القُطرية، ولذلك فإنّ المطلوب صيغة واقعيّة ومرنة ما بين هذا وذاك، ينتج عنها صيغة إتحاديّة قويّة تضم الدول الخليجيّة الحاليّة أو بعضها مع اليمن أو بعض مكوناته. وتكوين مثل هذا الإتحاد ليس بالأمر المستحيل، فجلّ الخلافات الخليجيّة إذا وجدت؛ ناتجة عن تشابك المصالح والسياسات وارتباطها بشعب واحد له نفس الآمال والمخاوف، ممّا يخلق بعض التوجّس على المصالح لدى البعض الذين يمكن تطمينهم ببناء جسور الثقة واثبات حسن النوايا وتحسين العلاقات، حتّى تستطيع المجموعة تجاوز الضعف وتعزيز القدرات والموارد باتحاد الكل أو البعض لتكميل ما لديهم من نقص من خلال دولة إتحاديّة قوية بخصوصية متكيفة مع التاريخ والواقع تتحاشى المركزيّة المفرطة في القرار وتضمن مشاركة الجميع دون هيمنة من أي من الأعضاء، بحيث تكون وحدة الدفاع والسياسة الخارجيّة في القضايا الكبرى هي الحد الأدنى الملزم، مع إمكانية الحفاظ على الخصوصيّة المحليّة كإبقاء الثقافة والتعليم والدين والاقتصاد الجزئي تحت الإدارة المحلية، وإعطاء كلّ مكوّن الأولويّة في التمتّع بمصالحه المحليّة مع مرجعية اتحاديّة عليا قويّة تكوّن قوّة استراتيجيّة موحّدة وتبني سيادة إتحاديّة تنهي التبعيّة الخارجيّة وتجعل القرار الإستراتيجي لدولة الإتحاد، ممّا سيجعلها كالأخ الأكبر ومثالا يحتذى به لبقيّة الدول العربيّة والخليجيّة التي تختار البقاء خارج الإتحاد، تحفّزهم وتشجّعهم على التقارب والتضامن وتوثيق الروابط الاقتصادية والسياسيّة والعسكريّة وتعطيهم الفرصة للالتفاف حولها والاحتماء بها، وتنسّق عناصر القوّة للصمود في مواجهة الأعداء الإقليميين والعالميين الأقوياء الذين يصعب على أيّ دولة خليجيّة مواجهتهم بمفردها، وتتحوّل إلى دولة المؤسسات الوطنيّة الحرّة في إرادتها وقراراتها وتتجاوز تحديات التنمية والهوية والأمن المائي والغذائي، وتقود الأمّة نحو الإنعتاق من قيود الفقر والتخلّف والهيمنة الأجنبيّة. وحيث إنّ المملكة هي السبّاقة باقتراح الاتحاد، يمكن الأخذ في الإعتبار امكانيّة المضي قدما حتّى في حال عدم انضمام الجميع، والاكتفاء بالمملكة ومن يساندها، على أن يتاح للمترددين الإلتحاق لاحقا متى ما تهيّأت ظروفهم. التوسّع في الاستثمار في الصناعات الدفاعية المحلية: من الصعب النصر أو الصمود في المواجهات المصيريّة والحروب المطوّلة بالاعتماد الكامل على استيراد الأسلحة، لأنّ استمرار الحرب بحاجة الى إمداد مستمر بالذخيرة والسلاح وقطع الغيار، والمُنتج للسلاح قد لا تكون لديه القدرة على توفير كمية الذخيرة وقطع الغيار المطلوبة وقد يوقف التصدير في اي وقت حسب سياساته ومصالحه، خصوصا إذا كان المزوّد بالسلاح هو نفسه بحاجة للسلاح مثل روسيا والصين وما تعانيانه من توترات في علاقاتهما مع الولايات المتحدة وحلف الأطلسي، أو كان في المعسكر المعادي كما هو الحال بالنسبة للغرب في حال مواجهة عربيّة إسرائيلية، ممّا يجعله من الضروري للدول الخليجيّة تطوير برامج جديّة لتصنيع الاسلحة الضرورية محليا وتجهيز الخبرات المعرفيّة والتقنيّة المطلوبة في الحروب التقليديّة وأنواع الحروب الجديدة الأخرى، كالحروب السيبرانيّة والصواريخ والمسيّرات والفضاء واعتبار ذلك فرص استثماريّة استراتيجيّة مشتركة بين الدول الخليجيّة أو من يرغب منها بالتعاون مع المملكة العربيّة السعوديّة التي بدأت برامجها الخاصة بها. خدمة العلم: عندما ننظر الى ما تتعرّض له دول الخليج العربيّة من مخاطر وتهديدات إقليميّة، فإنّ التجنيد الإلزامي أو خدمة العلم في ظل بيئتها قليلة السكّان، ليس خيارا ثانويا بل أداة أساسيّة لتكوين عمق بشري ضروري لبناء ودعم قوّة ردع فعّالة، وهي حق من حقوق الدولة على مواطنيها وخدمة نبيلة للوطن تُعد الفرد عسكريا ليكون قادرا على الانخراط في أحد أقسام الجيش الملائم لمؤهلاته وقدراته ومهاراته للدفاع عن الوطن عند الحاجة، وتتيح للدول الاستفادة من قدرات شبابها لضمان استمراريّة تزويد الجيش بالعناصر الشابّة القادرة على التعلّم بسرعة، وتكوين احتياطي كافي جاهز لمواجهة أي طاريء، وتعتبر خدمة العلم من سياسات إعداد العدّة للدفاع عن النفس والمصالح، وأقرته الدساتير الوطنية في الكثير من دول العالم، ومن أهدافه تعويد الشباب على خشونة العيش وتحمّل الأعمال الرجوليّة، والتركيز على التدريب والغذاء والعلاج المناسب من أجل تنمية الأجساد، وصحّة الأبدان، وبناء الثقة في النفس، والتفاني لصالح الوطن، وبناء روح الزمالة والرفقة وتعزيز الأواصر الإجتماعيّة بين أبناء الوطن من مختلف الفئات والطبقات والمناطق وإذابة الفوارق الطبقيّة والمناطقيّة وإزالة الحواجز النفسيّة، حيث سيعيش ويأكل ويتسلّى المجندون معا ممّا يبني ثقافة أمنيّة مشتركة وشعورا بالمسؤوليّة الجماعيّة يزيد في صلابة الجبهة الداخليّة والإرتباط بالوطن. تأمين المرونة في التصدير والاستيراد لدول الخليج العربيّة: من الواضح من السياسات الأمريكيّة والإيرانيّة المتعلّقة بمضيق هرمز في الحرب الأخيرة، إنّ مصالح الدول العربيّة الخليجيّة ليست في صدر قائمة إهتماماتهما، فاستمرار غلق المضيق بالنسبة للولايات المتحدة: ارتفاع للأسعار في صالحها وتسويق للمزيد من نفطها وغازها والنفط الفنزويلي الذي بقبضتها، وبالنسبة للإيرانيين: علامة سيطرة واثبات للقوّة والانتصار على خصومهم الوهميين في الخليج. ولتخطّي معضلة المضائق فإنّه على الدول الخليجيّة فرض السيطرة والتواجد القوي من خلال قوّة خليجيّة موحّدة على الجانب العربي لمضيقي هرمز وباب المندب، وفي نفس الوقت التوسّع في التصدير عن طريق موانيء البحر المفتوح في عمان والامارات العربيّة المتحدة واليمن (حضرموت والمهرة) والموانيء السعوديّة على البحر الأحمر، وإحياء خط التابلاين من المملكة الى أوروبا عبر الأردن وسوريا، من أجل تحقيق مرونة في منافذ التصدير وسلاسل الإمداد بعيدا عن المضائق المهددة من قبل القوى الإقليميّة. وفي النهاية، لا يبدو أن أمام دول الخليج العربيّة خيارًا بسيطًا أو سريعًا. الطريق نحو أمن واقتصاد مستقل يتطلب وقتًا، واستثمارات ضخمة، وإرادة سياسية جماعية تتجاوز الحسابات الضيقة. لكنه، في المقابل، الطريق الوحيد الذي يضمن أن تكون هذه الدول فاعلة في معادلة الأمن الإقليمي والقومي والعالمي، لا مجرد ساحة لتقاطع المصالح الدولية، وكما عوّدتنا الدول الخليجيّة بقيادة المملكة العربيّة السعوديّة، فإنّها باذن الله قادرة على التكتّل وتوحيد الجهود في الشدائد وإيجاد الحلول الحكيمة والخروج من الأزمات. *عضو مجلس شورى سابق