الكتابة بين السطور.

1 بلور الفيلسوف السياسي ليو شتراوس؛ مفهوم الكتابة تحت ضغط الاضطهاد أو كما يقترح سعد البازعي الكتابة بين السطور. يعني المفهوم نوعا من التأليف يقوم على بنية مزدوجة يختلف فيها ظاهر الكتابة عن باطنها. فالكاتب الذي يعيش في مجتمع تطغى فيه الرقابة لا يستطيع أن يعبّر عن أفكار حسّاسة بشكل مباشر، فيلجأ إلى كتابة تبدو في الظاهر تعليمية أو أخلاقية أو أدبية منسجمة مع ما لا يثير الرقابة؛ لكنه يدس موقفه النقدي أو بالأحرى يدس ما لا يستطيع أن يصرح به بحيث لا يدركه إلا القارئ الفطن. وفق ليو شتراوس فقد فعل ذلك كبار المفكرين كأفلاطون مثلا. وفي السياق العربي فإن الفارابي مثلا ينسب إلى أفلاطون ما لم يقله. وكما يرى شتراوس فإن ما ينسبه الفارابي هو للفارابي نفسه. يرى ليو شتراوس أن الرقابة من أي نوع كانت لا يمكنها أن تمنع استقلال الكاتب الفكري، ولا تستطيع الرقابة أن تمنع الكاتب عن أن يعبر عن استقلاله الفكري. ويضيف أن الرقابة وما في معناها لا تستطيع أن تمنع التعبير علنا عن الحقيقة؛ فبإمكان الكاتب أن يعبر علنا عن آرائه من دون أن يتعرض لأي أذى بشرط أن يكون حذرا بحيث يكون قادرا على الكتابة بين السطور. لذلك تؤدي الرقابة وتنويعاتها الدلالية إلى نشوء تقنية غريبة في الكتابة، ويتولد عنها نوع أدبي تعرض فيه الحقيقة بين السطور. لذلك يرى شتراوس أن هذا النوع من الأدب ليس موجها إلى كل القراء، بل هو أدب موجه إلى القراء الأذكياء. غموض هذا النوع من الكتابة ليس خللا في الأسلوب، بل استراتيجية واعية للحماية وتمرير النقد؛ إذ يتحول الشكل الأدبي كالسخرية، أو التكرار المقصود لفكرة معينة، أو ذكر شخصيات رمزية بدل التسمية المباشرة إلى وسيلة لقول ما لا يقال من دون صدام مباشر مع السلطة. وهكذا تصبح وظيفة الكتابة وظيفة مزدوجة؛ من جهة تضمن سلامة الكاتب عبر خطاب مقبول، ومن جهة أخرى تنقل أفكاره إلى دائرة محدودة من القراء القادرين على القراءة بين السطور (البازعي) لأن سؤالهم التأويلي ليس ما يقوله المكتوب، بل أكثر من ذلك؛ ما الذي جعله مكتوبا بهذا الأسلوب تحديدا، وما يتيحه هذا الأسلوب، ولا يتيحه أسلوب أخر. 2 تحتوي الثقافة العربية القديمة على مدونة ضخمة من هذا النوع من الكتابة. ومن السهل أن نجد ذلك في المقامات (بديع الزمان الهمذاني مثلا) وفي أخبار المجانين والموسوسين (عقلاء المجانين مثلا). ومن الممتع أن ندرس هذا النوع من الكتابة. لكننا سنكتفي هنا بما يوضح فكرتنا بالتوقف عند كتاب ابن الجوزي (أخبار الحمقى والمغفلين). فقد ألفه على أنه ترويح عن النفس؛ كتاب لا يخص أحد، بل لكل أحد. لكن من قرأ الكتاب يجد ابن الجوزي يوزع الحماقة على شرائح اجتماعية كالقضاة والولاة والكتاب، وعلى مؤسسات متعددة كالمحاكم الشرعية، وبلاطات الولاة، ومؤسسات الدين كالأوقاف والمساجد، ومؤسسات التعليم. هذا الاتساع في تمثيل الحمقى لا يشتغل في كتاب ابن الجوزي بوصفه سمات فردية طريفة، بل أكثر من ذلك وظيفة مجازية تحول حكايات الحمقى إلى قناع سردي يسمح بنقد خلل العقل الإنساني والتدبير البشري داخل البنى الدينية والإدارية من دون مواجهة مباشرة مع السلطة أو مع رموزها. يعزز ابن الجوزي هذا التمويه ويؤكده بل ويشرّعه حين يتحدث عن المرح والضحك ضمن رؤية شرعية وتربوية. فوظيفة المُلح ترويح القلب وتجديد نشاطه للجد، مما يمنح شكل المُلح الأدبي مشروعية تحمي المحتوى النقدي. وبهذه الطريقة تتحول الحكاية الساخرة إلى وسيلة بديلة للنقد الاجتماعي والديني، ويتحول الضحك إلى أداة تخفض قيمة الشخصيات كالوالي والقاضي وغيرهما من مستوى التقدير الاجتماعي إلى مستوى الخطأ البشري، بأسلوب لا يتصادم مع السلطة، لكنه يقوّض عقلانية السلطة من داخلها. لا يعرض ابن الجوزي الحمق من حيث هو انحراف أخلاقي، بل من حيث هو خلل معرفي يتعلق بإدراك الأحمق للواقع. فابن الجوزي يميّز بين سوء النية من جهة، وبين سوء الأداة أو الوسيلة من جهة أخرى. فالحمقى يظهرون في نوادر الكتاب وحكاياته ذوو نيات سليمة، لكنهم يخطؤون في تقدير الأمور، ويسيؤون الفهم، ويعجزون عن قراءة السياق، وبذلك يفسدون تدبيرهم الأمر بالرغم من سلامة نياتهم. بهذا المعنى، يتحول الحمق إلى مفهوم إبستمولوجي يخص العقل العملي إذا ما استخدمت عنوان كتاب إيمانويل كانت المعروف ليربط بين المعرفة والسلوك، وبين الفهم وزاوية الرؤية، وبين الكلام ونتيجته. ومن هذا المنظور تتضح خطورة الأحمق على الفضاء العام؛ لأن الخلل أصلا لا يقع في سلامة نية الأحمق، بل الخلل في إجراءاته التي يتبعها؛ كإجراءات القاضي الحمقاء مثلا مع أنه حسن النية، وقل مثل ذلك مع الوالي أو الكاتب الإداري أو الزاهد، وغيرهم من المؤثرين لفاعلين في البنية الاجتماعية. يتيح هذا التحويل من الأخلاقي إلى المعرفي لحكايات الحمقى التي أوردها ابن الجوزي أن تمارس نقدا عميقا من دون اتهام أخلاقي أو إداري؛ فالخلل مثلا في سياق القضاء أو الولاية ليس شرا متعمدا من قبل العاملين بل عجزا في عقولهم. وهو وصف أخف وقعا اجتماعيا وسياسيا لكنه أقوى طعنا في كفاءتهم لا في نياتهم. بذلك يصبح الحمق مفهوم تحليلا للبنية العقلية التي تنتج الخلل في الدين والإدارة والاجتماع، ويغدو مفهوم المرح وسيلة لكشف قصور العقل العملي حتى وهو يتزيّا بالمقام والهيبة . 3 يمثل المغفّل نوعا مغايرا للأحمق. ويكشف بعدا آخر من أبعاد الخلل المعرفي والاجتماعي. فإذا أخطأ الأحمق بسبب قصور في عقله العملي، وسوء تقديره لوسيلة التنفيذ، فإن المغفل يبدو هو نفسه موضوعا للغفلة وليس مصدرا لها. فالمغفل هو المخدوع والقابل للاستدراج والساذج المفرط في الثقة. لهذا السبب (ربما) ترد أخبار المغفلين وحكاياتهم في سياقات تتعلق بالقراءة وبالرواية وبالوظائف الإدارية. فضعف تمييز المغفل مثلا أو ضعف انتباهه أو قصور فهمه قد يؤدي إلى وقوعه في التصحيف وهو يقرأ أو في سوء النقل وهو يروي، أو التصرف غير الملائم للمقام. بذلك ينتقل مركز الخلل من سوء التدبير عند الأحمق إلى انخداع المغفل، أي من خلل في إنتاج القرار إلى خلل في فهم إشارات العالم. من هذا المنظور يصبح المغفل مفهوما إبستمولوجيا اجتماعيا يتعلق بالثقة والمعرفة داخل المجتمع. فمن يشغل أي موقع مهما كان موقعه وهو فاقد للفطنة العقلية، سيتحول موقعه إلى ممر للخطأ إلى الجماعة. وهذا ما يناسب سرد الحكايات الناقدة لأنها لا تهاجم السلطة بوصفها ظالمة مثلا، بل توحي بسهولة انقياد بعض شاغليها للخطأ. وبهذا تكون شخصية المغفَل أداة لنقد هشاشة الوعي المؤسسي والثقافي، وتكشف أن الخطر لا يكمن فقط في صاحب القرار السيئ (الأحمق)، بل أيضا في الإجراءات التي لا تتحقق، فتسمح للخطأ بأن يعم. وهكذا فالمغفل يكمّل وظيفة الأحمق. فالأحمق أحمق من جهة الفعل، والمغفل مغفل من جهة الاستقبال، وتتشكل بينهما صورة بنية اجتماعية يشتغل فيها الخلل من دون نية مبيتة. 4 يعرض ابن الجوزي تصورا لمعنى العقل والحمق والغفلة، ويفتح مجالا لفهم العلاقة بين الفاعل وفعلِه. ويوضح كيف يمكن أن يصدر من العاقل فعلا أحمق، وكيف يمكن يتحول هذا الفعل من زلّة طارئة إلى حالة ثابتة عبر الإصرار عليه، بحيث يتحول الحمق من صفة طارئة إلى هوية معرفية وسلوكية. تكشف حكايات الكتاب ونوادره عن لحظة التحول من العقل إلى الحمق أو الغفلة، وتساعد على التمييز بين الفعل الصادر عن خطأ في التقدير وبين الفعل الدال على إرباك في العقل العملي، وهو ما يسمح للقارئ بإدراك طبيعة فعل العاقل وفعل الأحمق وفعل المغفل كما يتصورها ابن الجوزي، لا بوصفها أفعالا متمايزة، بل بوصفها مسارات يمكن أن ينقلب فيها كل واحد من الثلاثة إلى الآخر. 5 هل كان ابن الجوزي كاتبا سياسيا؟ هل ينتمي كتاب أخبار الحمقى والمغفلين إلى الكتب السياسية؟ لست متأكدا؛ لكن كما يبدو لي فإن الكاتب يصبح كاتبا سياسيا حين يحاول أن يفهم الذين يختلفون عنه. وأن الكتابة السياسية في الغالب هي تلك الكتابة التي لا تملك موضوعا سياسيا، ولا تملك دوافع سياسية، لكنها تحاول أن ترى الأشياء، وأنت تفهم الأشخاص، وهذا ما فعله ابن الجوزي في كتابه. بطبيعة الحال فقد استخدمت أعلاه كلمة السياسي بالمعنى الذي استخدمه الروائي جورج أورويل أي الرغبة في دفع العالم نحو اتجاه معين؛ لتغيير أفكار الآخرين عن نوع المجتمع الذي ينبغي عليهم أن يسعوا نحوه. من هذه الزاوية، لا يوجد كتاب يخلو من التحيّز السياسي، والرأي القائل إن الكتابة يجب ألا يربطها شيء بالسياسة هو رأي في حد ذاته موقف سياسي؛ ومن هذا المنظور يمكن فهم كتاب ابن الجوزي. إننا نعرف أن هناك أشياء لا يمكن أن تقال من دون أن يتعرض قائلها للمساءلة، لكن إذا ما أراد أحد فيحتاج إلى أن يكون فطنا وذكيا. وقد كان ابن الجوزي كذلك. فهذا النوع من الكتب تخفي مواقفها تحت ستار رؤية واضحة. ويكون الحجب فعالا حين تبدو إمكانية الحجب في مكانها بحيث يلمحها القارئ الفطن. وهناك أهمية لحجب أفكار، لكنها تبدو وهي محجوبة واضحة؛ أي مخفية ومعلنة. هذه الاستراتيجية الكتابية لا تهدف إلى الحجب؛ إنما إلى الاحتفاظ والنقل بحيث تستمر الأفكار لتبقى حية.