هل سنحن لخربشاتنا.
في الشعر نحن لا نريد لأصوات الشعراء أن تتشابه بالدرجة التي نكره فيها التقليد، صعب أن تكون نسخة من غيرك مهما كان جميلاً. ساحتنا العلمية تعاني اليوم كذلك من التشابه، الكثير من أساتذة الجامعات النابهين يجأرون بالشكوى، بصمة الذكاء واضحة في عدد من البحوث العلمية التي يتم تقديمها. أكثر الكلمات ذيوعًا (يشهد)، (المتسارع) ، (الفاعلية)، (في ظل)، وغيرها من كلمات وعبارات! أخشى أننا سوف نحن لخربشاتنا القديمة ولأخطائنا حتى في رسائلنا العادية بين بعضنا، والتعبير الأخير لأستاذ علوم الحاسبات في جامعة الملك عبدالعزيز الدكتور خالد الحربي الذي يدرّسني مادة الإعلام الرقمي والأمن السيبراني، والذي لا ألومه وهو الخبير في تخصصه، حين يتحدث بنبرة حانية لطلابه عن خطورة غياب نبرتنا البشرية فيما نقدم من نتاج علمي وإبداعي. نصحنا كطلاب في مرحلة الدراسات العليا أن لا نستغني عن أصواتنا وأصالتنا الكتابية مقابل الآلة وأن يكون الذكاء مجرد أداة مساعدة لا تغيب معها شخصيتنا ولمستنا الإبداعية. وبالقدر الذي يشير فيه الدكتور الحربي لأهمية تطبيقات الذكاء في تسريع الكثير من المهام وما تقدمه من خدمات، فإنها يفترض أن تفرغنا أكثر للعمل الإبداعي وأن لا تحيلنا إلى نسخ متشابهة. الساحة الأدبية لا تخلو هي الأخرى من طغيان نبرة الذكاء الاصطناعي في عدد مما يكتب، وليس المقام لاستعراض نماذج، لكن من يعرفون بصمة الذكاء وأسلوبه في الكتابة لا تخطئ عينهم تلك المقالات التي تطغى فيها بصمة الآلة. لكن الموضوع ليس محبطاً على الإطلاق بل العكس، لأن الذكاء سوف يعيد لأصواتنا الطبيعية تقديرها ويجعلنا ندرك قيمتها حين نتسلل إلى بشريتنا في زحمة كل تلك الوسائط والمشتتات. الذكاء الاصطناعي طفرة جديدة على مستوى العالم ولا شك أن ذكاء الإنسان أعلى، والبحوث والدراسات أثبتت ذلك. وقد قرأت في دراسة أن وعي الفرد وشعوره بالمسؤولية مرتفع بخصوص استخدام الذكاء الاصطناعي بمهنية وهذا مؤشر إيجابي، لكن طفرة الذكاء جديدة وطبيعي أن تحدث معها كل تلك التحديات الأخلاقية في طرق استخدامه. الذكاء في النهاية مرآة، وما تراه فيها أنت من وضعه، مشكلة نماذج الذكاء في الكتابة جعلتنا مرتبين أكثر من اللازم، وهذه أشياء يمكن أن تقبلها في ترتيب أثاث المنزل لكن صعب تقبلها في وصف تجربة إنسانية تفيض بالعواطف والتقلبات والمزاجية.