الأمير بدر بن فرحان.. حين تصبح الثقافة مشروع دولة.
في المشهد السعودي المتحوّل، يبرز الأمير بدر بن عبدالله بن فرحان آل سعود بوصفه أحد أولئك الذين اشتغلوا على الثقافة كمنظومة، لا كمناسبة عابرة. حضوره يتبدّى في الطريقة التي أُعيد بها ترتيب المفاهيم قبل الهياكل، إذ جرى الانتقال من فهم الثقافة بوصفها نشاطاً رمزياً إلى اعتبارها مجالاً إنتاجياً يوازي القطاعات الكبرى، ويغذّيها في الوقت نفسه بالمعنى والخيال. هذه الرؤية لم تُطرح كشعار، بل تُرجمت إلى بنية مؤسسية متشعبة، تنبني على التخصص وتراكم الخبرة. تعدّد الهيئات لم يكن تفتيتاً، بل توزيعاً دقيقاً للأدوار، بحيث تتقدم كل جهة في مجالها بوضوح، من غير أن تفقد الصلة بالصورة الكلية. في هذا الإطار، نشأت هيئة الأدب والنشر والترجمة لتعيد تعريف العلاقة بين الكاتب والنص والسوق، عبر سياسات تدعم الاحتراف، وتوسّع دائرة التوزيع، وتفتح نوافذ أوسع للحضور الدولي. الكتابة السعودية، في هذا السياق، لم تعد حبيسة فضاء محلي محدود، بل صارت قادرة على العبور إلى لغات أخرى، وإلى منصات أوسع، مدفوعة ببرامج ترجمة تدار بعقلية استراتيجية، لا بمبادرات فردية متفرقة. الترجمة هنا أخذت معنى مزدوجاً: استقبال المعرفة من العالم، وتقديم التجربة السعودية إليه، في حركة متوازنة تعكس ثقة متزايدة بالمحتوى المحلي. وفي الحقل التراثي، جاء الاشتغال مختلفاً عمّا اعتادته المؤسسات التقليدية. هيئة التراث السعودية لم تتوقف عند حدود التوثيق، بل ذهبت إلى إعادة تقديم التراث كقصة قابلة للعيش. المواقع التاريخية أُعيدت صياغتها لتصبح فضاءات تحكي، لا مجرد معالم تُزار. الزائر يجد نفسه داخل تجربة تتداخل فيها المعرفة مع الإحساس بالمكان، حيث تتقاطع الأزمنة وتتشابك الحكايات. هذا المنحى يلتقي مع إدراك أعمق لدور الثقافة في تشكيل الوعي العام. فالماضي، في هذه المقاربة، ليس مادة للحنين فقط، بل رصيد يُعاد توظيفه لصناعة الحاضر، وفتح أفق للمستقبل. هنا تتقاطع الثقافة مع السياحة، ومع الاقتصاد، ومع التعليم، في شبكة متداخلة لا تقبل الفصل بين عناصرها. أما في قطاع الأزياء، فقد برزت قراءة جديدة للهوية البصرية. عبر هيئة الأزياء السعودية جرى تحويل الزي من عنصر تقليدي إلى منصة إبداعية تعبّر عن تنوّع المملكة. المصممون المحليون وجدوا مساحة للتجريب، والانطلاق نحو أسواق أوسع، مع الحفاظ على الجذور التي تمنح العمل خصوصيته. الأزياء لم تعد مجرد مظهر، بل خطاب بصري يعكس تعددية المجتمع السعودي، ويقدّمها بلغة معاصرة. المواقع التاريخية بدورها شهدت تحولات في طريقة عرضها. لم تعد محطات صامتة، بل فضاءات نابضة بالحياة، تُستخدم فيها التقنيات الحديثة لصياغة سرديات متعددة، تجعل من الزيارة تجربة معرفية وحسية في آن. هذا التوجه يعكس وعياً بأن الجمهور اليوم يبحث عن التفاعل، لا الاكتفاء بالمشاهدة. في العمق، يتضح أن ما يجري يتجاوز حدود القطاعات الفردية، ليصل إلى إعادة تعريف موقع الثقافة داخل الدولة. ضمن رؤية السعودية 2030 أصبحت الثقافة جزءاً من بنية الاقتصاد، عبر الصناعات الإبداعية، التي تفتح مجالات جديدة للعمل، وتستقطب الطاقات الشابة. هذه المقاربة تمنح الثقافة بعداً عملياً، يربطها بحياة الناس اليومية، ويجعلها أكثر حضوراً وتأثيراً. اللافت في تجربة الأمير بدر بن فرحان هو هذا التوازن بين الرؤية الواسعة والعمل التفصيلي. التخطيط الاستراتيجي يقترن بمتابعة دقيقة للتنفيذ، بما يضمن أن الأفكار لا تبقى في حدود الورق. المشاريع تتقدّم بهدوء، لكنها تترك بصمات واضحة، تتراكم مع الوقت لتشكّل مشهداً متماسكاً. الخطاب الثقافي نفسه شهد تحولاً لافتاً. لم يعد موجهاً إلى دائرة ضيقة، بل أصبح أكثر انفتاحاً، يستوعب تنوّع المجتمع، ويمنح الأفراد مساحة للمشاركة. المبادرات تتجه نحو إشراك القطاع الخاص والمبدعين، في نموذج يقوم على الشراكة، لا على المركزية الصارمة. هذا كله يشير إلى مقاربة ترى في الثقافة قوة ناعمة قادرة على إعادة تشكيل صورة الدولة، وتعزيز حضورها في العالم. المملكة، عبر هذا المشروع، لا تكتفي بتقديم إنجازاتها الاقتصادية، بل تضيف إليها رواية ثقافية متكاملة، تعكس عمقها التاريخي، وتنوّعها الاجتماعي، وطموحها المستقبلي. بهذا المعنى، تبدو تجربة وزير الثقافة السعودي أقرب إلى ورشة عمل مفتوحة، تُعاد فيها صياغة العلاقة بين الإنسان ومحيطه، بين الماضي والحاضر، بين المحلي والعالمي. ورشة لا تبحث عن نتائج سريعة بقدر ما تسعى إلى بناء أساس متين، قادر على الاستمرار والتطور. النصّ الذي تكتبه هذه التجربة لم يكتمل بعد، لكنه يقدّم ملامح واضحة لمرحلة جديدة، تتعامل مع الثقافة بوصفها ضرورة، لا ترفاً، وبوصفها أداة لفهم الذات، وصياغة موقعها في عالم سريع التغيّر. هنا، تتشكل ملامح سردية سعودية حديثة، تمتد من جذورها العميقة، وتتجه بثقة نحو آفاق أوسع. (*) كاتب وصحافي سعودي