هل انتهت القراءة… أم أننا لم نعد نراها؟.

كنتُ في غرفة انتظار في أحد الأماكن العامة، حين جلست بقربي امرأة وبدأت حديثًا عابرًا. سألتني عن عملي، فأجبتها أنني أعمل عن بُعد ككاتبة ومحررة أدبية. بدا عليها شيء من الاستغراب، وسألت: “ماذا يعني محررة أدبية؟” وبعد أن شرحت لها، جاء السؤال الذي لم يكن جديدًا عليّ، لكنه كان مستفزًا في كل مرة يُطرح: “وهل ما زال هناك من يقرأ الكتب؟ لم يعد الناس يقرأون… لا كتب ولا صحف.” لم أتفاجأ من الفكرة، فقد سمعتها مرارًا، لكن نبرتها هذه المرة دفعتني للرد بحماس: ليس صحيحًا. أنتِ خارج الوسط الثقافي، لذلك لا ترين القرّاء. كل إنسان يرى ما ينتمي إليه، وما يقع ضمن اهتماماته. نحن، كقرّاء ومهتمين بالثقافة، نجد بعضنا بسهولة، ونتقاطع في أماكن واهتمامات مشتركة. بل إننا، في السنوات الأخيرة، نعيش حراكًا ثقافيًا واضحًا، تدعمه مبادرات ومشاريع نوعية، من معارض كتب إلى مبادرات مثل مبادرة الشريك الأدبي، وصولًا إلى ازدياد المساحات التي تحتضن اللقاءات الثقافية. ابتسمت وقالت: “لكل شخص اهتماماته، وكل واحد يجد من يشبهه.” انتهى الحديث، وغادرت. لكن الفكرة لم تغادرني. هل كانت مخطئة تمامًا؟ أم أن في كلامها جزءًا من الحقيقة؟ قبل سنوات، كان الكتاب هو المصدر شبه الوحيد لتلقي المعرفة. أما اليوم، فقد تغيرت أدوات التلقي. لم تعد القراءة محصورة في الكتب فقط، بل أصبحت ممتدة عبر الشاشات، والمقالات، والمحتوى الرقمي، وحتى في التفاعل اليومي مع هذا السيل المستمر من المعلومات. وربما يمكننا النظر إلى هذا كله كشكل من أشكال “القراءة”، لكن قراءة مختلفة، أسرع، وأكثر تشتتًا. وهنا يصبح التحدي أكبر. فالإنسان اليوم يتعرض في دقائق قليلة لكمّ هائل من المؤثرات، ما يتطلب وعيًا عاليًا وقدرة مستمرة على التمييز والاختيار. لأن ما يمر أمامنا لا يمر مرورًا عابرًا، بل يتسلل إلى وعينا، ويشكّل أفكارنا، ويؤثر في قيمنا دون أن نشعر. لكن لماذا يظن البعض أن القراءة اختفت؟ ربما لأنهم لا يرونها في محيطهم. وربما لأنهم أنفسهم لا يهتمون بها. فنحن، في الغالب، لا نرى إلا ما نبحث عنه، ولا ننتبه إلا لما يشبهنا. ومن وجهة نظري، القراءة لم تختفِ، بل تغيّر شكلها، وتغيّرت أماكنها. ولا يزال هناك قرّاء، ومثقفون، ودوائر كاملة تنبض بالاهتمام والمعرفة، بل إننا نشهد في السنوات الأخيرة حراكًا ثقافيًا متصاعدًا، تدعمه جهود واضحة ومبادرات متزايدة. وربما المشكلة الحقيقية ليست في الواقع… بل في زاوية رؤيتنا له. فكل إنسان يعيش داخل عالمه الخاص، ويرى من خلاله، وقد تمرّ بجانبه عوالم كاملة دون أن يلاحظها. فالسؤال الذي يستحق أن نطرحه على أنفسنا: هل نرى العالم كما هو فعلًا… أم كما اعتدنا أن نراه؟ وماذا لو تغيّرت أماكننا… هل ستتغيّر الحقيقة، أم فقط زاوية النظر إليها؟