«في حضن المسيل» لخالد الطويل..

حين تتحول الكتابة إلى سيرة وعي وسؤال زمن.

ثمة لحظات في المسيرة الأكاديمية تتجاوز حدود قاعات الدرس، لتتحول إلى وشائج فكرية وإنسانية تتشكل خارج إطار التلقين التقليدي، في إحدى هذه اللحظات، وبين طلبة “الماجستير التنفيذي في الإعلام الرقمي”، برز اسم خالد الطويل؛ لا بوصفه طالبًا يؤدي متطلبات مقرر، بل بوصفه كاتب متشكل وعيه عبر اللغة، ويعلن حضوره من خلال مداخلاته، وذائقته، وانشغاله الحقيقي بالمعنى.. قبل أشهر، أهداني كتابه في حضن المسيل: رؤى في الأدب والثقافة والإعلام، ولم تكن تلك الهدية مجرد مجاملة عابرة، بل كانت مدخلًا لقراءة نص يتجاوز تصنيفه الظاهري، ليضع نفسه في منطقة وسطى بين التأمل الأدبي والوعي الثقافي، حيث لا تُقرأ الكتابة بوصفها نصًا، بل بوصفها تجربة.. وفي زمنٍ تتكاثر فيه النصوص وتتناقص فيه المعاني، وتُستهلك الكلمات كما تُستهلك الأخبار في تدفقها اللحظي، يجيء هذا الكتاب محاولةً هادئة لاستعادة جوهر الكتابة؛ لا كفعل لغوي عابر، بل كخبرة وجودية متراكمة تتشكل في تماسٍ عميق مع الزمن، والذات، والعالم، ومن هنا، لا تُقدَّم قراءته بوصفها عبورًا سريعًا بين موضوعات، بل بوصفها تنقّلًا داخل فضاء تأملي تتجاور فيه الأفكار دون صراع، وتتشكل فيه الرؤية عبر التراكم لا القطيعة.. أول ما يلفت في هذا العمل هو تعامله مع الكتابة باعتبارها التزامًا لا ترفًا، فالكاتب لا يراهن على لحظة الإلهام بوصفها أصل الإبداع، بل يعيدها إلى سياقها الحقيقي: ممارسة يومية تتطلب الانضباط والوعي، هنا تتردد أصداء ما يذهب إليه لويس لامور، حين يرى أن تدفق الكتابة لا يبدأ إلا بالفعل ذاته؛ أي أن النص لا يُنتظر، بل يُنتج، هذه الرؤية تُحرر الكتابة من أسطرتها، لكنها في الوقت ذاته تُحمّل الكاتب مسؤولية أخلاقية تجاه مشروعه.. ومن منظور نقدي وإعلامي، تبدو هذه الفكرة بالغة الأهمية؛ إذ أن الكتابة في عصر المنصات الرقمية لم تعد فعلًا فرديًا خالصًا، بل أصبحت جزءًا من منظومة إنتاج المعنى داخل فضاء مزدحم، حيث لا يكفي أن تكتب جيدًا، بل أن تصمد نصوصك في وجه التلاشي السريع.. غير أن الطويل في كتابه لا يقف عند حدود أخلاقيات الكتابة، بل ينفتح على سؤال الزمن بوصفه الحاضن الأكبر للتجربة الإنسانية، فالأشياء تمضي، لكن الكلمات تبقى، هذه الفكرة، التي قد تبدو مألوفة، تتحول في النص إلى وعي عميق بوظيفة اللغة في مقاومة الفناء، وهنا يمكن استحضار الروح التأملية لدى سينيكا، حيث يصبح الزمن تجربة داخلية يعاد تشكيلها عبر الوعي، لا مجرد امتداد خارجي للأحداث.. وفي قلب هذه العلاقة بين الكتابة والزمن، تتبدى العزلة بوصفها شرطًا معرفيًا لا حالة انسحاب، فالطويل، مستلهمًا رؤية فيودور دوستويفسكي، يعيد تعريف العزلة باعتبارها مساحة يقف فيها الإنسان أمام ذاته، ويعيد فيها ترتيب وعيه بالعالم، غير أن هذا الطرح، على عمقه، يظل مفتوحًا على مفارقة دقيقة أن الإبداع لا يتغذى من التأمل وحده، بل من الاحتكاك بالحياة أيضًا، وهي مفارقة يلمحها النص دون أن يحسمها، مما يمنحه طابعًا إنسانيًا صادقًا.. ولعل من أبرز ما يميز الكتاب قدرته على التقاط تحولات التلقي في العصر الحديث؛ إذ يشير إلى أن النصوص الجادة لم تعد تجد دائمًا ما تستحقه من انتباه في عالم يهيمن عليه التشتت، وهذه الملاحظة، في سياق مجالي في الإعلام الثقافي، تكتسب دلالة أعمق؛ إذ يمكن قراءتها ضمن ما يُعرف باقتصاد الانتباه، حيث تتحدد قيمة النص ليس فقط بجودته، بل بقدرته على البقاء داخل دائرة الإدراك العام.. أما لغويًا، يميل النص إلى البساطة الواضحة، لكنه يستند في عمقه إلى رصيد ثقافي متنوع، يتجلى في استحضار أسماء وتجارب تمتد من التراث العربي إلى الفكر الحديث، ومن بينها علي الوردي، الذي يحضر بوصفه شاهدًا على أن السعادة تكمن في الطريق نحو الهدف لا في الوصول إليه، هذا التداخل بين البساطة والمرجعية يمنح النص قدرة على الوصول دون أن يفقد عمقه، وهي معادلة لا تتحقق بسهولة.. كما يلفت في الكتاب حضوره الوجداني المرتبط بالذاكرة، حيث تتحول اللحظات العابرة إلى مشاهد مشحونة بالدلالة، تستدعي الصوت، والمكان، والرفقة، في بناء علاقة حميمة بين النص والقارئ، وهنا تتجلى قدرة الطويل على تحويل التجربة الشخصية إلى معنى قابل للمشاركة.. ومع ذلك، فإن القراءة النقدية تقتضي الإشارة إلى أن الكتاب، في بعض مواضعه، يميل إلى الطابع التأملي الوعظي أكثر من التحليل البنيوي العميق، فهو ينجح في بناء صوت صادق ومؤثر، لكنه لا يسعى دائمًا إلى تفكيك الظواهر التي يلامسها تفكيكًا منهجيًا، غير أن هذا الخيار لا يُضعف النص بقدر ما يحدد هويته بوصفه مشروعًا تأمليًا، يراهن على الإحساس أكثر من التنظير.. وفي المحصلة، لا يمكن النظر إلى كتاب في حضن المسيل بوصفه كتابًا في الأدب أو الإعلام فحسب، بل بوصفه نصًا عن الإنسان وهو يكتب، ويُفكر، ويعيد ترتيب علاقته بالزمن والأشياء، إنه كتاب يذكّرنا بأن الكتابة ليست عددًا من الكلمات، بل أثرٌ يقاوم النسيان، وسؤالٌ يتجدد كلما ظننا أننا بلغنا الإجابة.. وفي عالمٍ يتسارع نحو الاختزال، تظل مثل هذه الكتب ضرورة معرفية وثقافية؛ لا لأنها تقدم حلولًا جاهزة، بل لأنها تعيد إلينا القدرة على التأمل، وتدفعنا إلى إعادة طرح الأسئلة التي لا ينبغي أن نتوقف عن طرحها.. أعود إلى البداية، إلى تلك القاعة، إلى ذلك الطالب الذي يكبرني سنًا، ويمنحني دون أن يدري درسًا آخر، أدرك الآن أن التعليم ليس خطًا عموديًا من الأعلى إلى الأسفل، بل دائرة يتبادل فيها المعنى مواقعه.. خالد الطويل لم يهدني كتابًا فقط، بل أهداني مرآة أرى فيها مهنتي من زاوية أخرى: أن ندرّس، نعم، لكن الأهم أن ننتبه، فقد يأتيك الدرس يومًا في هيئة تلميذ. * أستاذ الاتصال والإعلام الثقافي بجامعة الملك عبدالعزيز