المطرقة والسندان,

أحيانًا تجد نفسك محصورًا مابين المطرقة والسندان عاجزًا عن الفهم مكتفيًا بالمشاهدة، تنهال عليك الضربات تباعًا، تحاول أن تفيق من غيبوبة الحاضر باحثًا عن قيم الماضي، ترى في ذلك الماضي البعيد في الأم أمًا وفي الأب أبًا وفي المعلم معلمًا، تغشاهم الهيبة والوقار، واليوم فالمسؤوليات مجرد أدوار جوفاء، فلا هيبة لكبير وتجاهل من الأم والأب في التأديب والتوجيه، ففي ما مضى كان للكبير مكانة وإن كان أكبر منك بسنة، أما اليوم فالصغير الآمر الناهي المتحكم بزمام الأمور ومع ذلك تراه غاضبًا حانقًا ، ويغضب ويُصعّد الأمر كلما لاحت كلمة (لا) في الأفق فالويل والعويل لمن يرفض هذا الكائن الذي سيطر على كامل الموجودين في اجتماع عائلي بلسانه الطويل وصرخاته ورفساته ما يجعل الجميع يرضخ له بل وكلهم يعتذرون له! ما هكذا تورد الإبل، فإن لم يتعلّم أطفال هذا الجيل معاني الاحترام والتأدب مع الجميع وتهذيب السلوك وحسن التعامل، سيأتي جيل غير مكترث ولا مبالٍ بمشاعر الآخرين بل ومؤذٍ للجميع، فلماذا نُقدّم للمجتمع نماذج مشوّهة أخلاقيًا ونبتعد عن فطرة الإنسان التي فطره الله عليها، فإن أول ما يوضع في الميزان هو حسن الخلُق ، فأين نحن من هذا كله؟! اليوم أرى بحسرة شديدة وأنا أشاهد المجاعة الأخلاقية القادمة والتي تحتاج أن يكون كل راعٍ مسؤول عن رعيته، ولست من المتشائمين ولكنني من المحذرين من أن لا تُسقط الأخلاق في غيابة جب التجاهل، وأن لا نصنع جيلًا يعرف جيدًا كيف يرتدي أفخم الأزياء ولا يعرف كيف يقول شكرًا وآسف وجزاك الله خيرًا وأبشر وحاضر، أخشى أن يكون جيلًا يرفض معنى الحدود ويتجاوز القانون لأنه لا يعرف كيف يمسك نفسه عند الغضب، أخشى عليه من أن لا يفهم معنى الرحمة والرأفة والتقدير واللطف والإيثار والمآزرة والتعاون، أخشى عليه من وفرة الألعاب وكثرة الترفيه وأن لا يملأ عينه إلا الترب! دق جرس الإنذار منذ زمن ، ولكننا نتجاهله، فالمدارس تُعاني، والمعلمين في مواجهة حامية مع كل سلوك تفرزه البيوت، والأماكن العامة ليست مكانًا لسلوك فظ أو رمي المخلفات في الطرقات، والمنصات الإلكترونية ضجت بكل ما هو دنيء يشاهده الصغير ويمارسه امام والديه بلا تحفّظ! نحتاج إلى إعادة النظر بواقعية وشفافية فيما يحدث اليوم في البيوت، ونربّي أنفسنا ونهذبها قبل أن نربّي أبنائنا، ولنأخذ قسطًا من الراحة عن المنصات الإلكترونية المتذبذبة والمتنوّعة وأن نصنع التوازن في كل شيء، وأن نعيد تكوين أفكارنا وأهدافنا ونصيغها في تربية جيل قادرعلى إعمار الأرض بالخير والصلاح والفلاح. أنا لا أنادي بمثالية خيالية، بل أنادي بسلوك يمكن إكتسابه وتعزيزه إلى أن يصبح عادة محمودة وقابلة للتوريث جيلًا بعد جيل، فكما ورثنا من جيل الأجداد أخلاقًا بقيت معنا، حان الآن أن نورثها للجيل الجديد. هذا الجيل اكتفى من الدلال، وحان الوقت أن يرى في الأخلاق جمالًا وسلامًا للروح ومعنى وثقلًا للقيم.