ضفاف الخليج.. ثروة واحدة وتجارب مختلفة.
يقف الخليج العربي منذ آلاف السنين شاهداً على حركة التاريخ في هذه المنطقة من العالم. فمن مياهه انطلقت السفن التجارية تحمل البضائع والثقافات بين الشرق والغرب، وعلى سواحله نشأت مدن وموانئ وأسواق ازدهرت عبر العصور. كان الخليج دائماً مساحة للحركة والتبادل، ورافداً للحياة لمن يعيش على ضفافه. . لكن التاريخ يثبت أن الثروة الطبيعية وحدها لا تصنع الازدهار، فالموارد قد تتشابه، بينما تصنع السياسات والإدارة الفارق الحقيقي في حياة الشعوب. فالمياه التي تحيط بضفتي الخليج واحدة، والنفط الذي تختزنه أرضه يتدفق هنا وهناك، لكن النتائج تختلف حين تختلف طريقة توظيف تلك الموارد. فعلى الضفة الغربية من الخليج قامت دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، ورغم أنها نشأت في بيئة جغرافية قاسية؛ صحراء واسعة، ومياه عذبة محدودة، وأراضٍ زراعية قليلة، فإنها استطاعت خلال عقود قليلة أن تبني تجربة تنموية لافتة. فقد تحولت الثروات النفطية إلى مشاريع تنمية، فارتفعت المدن الحديثة، وتطورت شبكات الطرق والموانئ والمطارات، وتوسعت الجامعات والمستشفيات، حتى أصبحت المنطقة اليوم أحد المراكز الاقتصادية الحيوية في العالم. غير أن جوهر هذه التجربة لم يكن في العمران وحده، بل في توجيه الثروة نحو بناء الإنسان وتعزيز الاستقرار الداخلي. فالأمن الاجتماعي، وتحسين مستوى المعيشة، وتوفير الفرص الاقتصادية كانت عناصر أساسية في مسار التنمية، وهو ما جعل هذه الدول بيئة جاذبة للحياة والعمل، ومقصداً لكثير من الباحثين عن الاستقرار. أما الضفة الشرقية والشمالية للخليج فتطل عليها دولتان تمتلكان مزايا طبيعية أكبر بكثير. فكل من إيران والعراق لا تملكان احتياطيات نفطية ضخمة فحسب، بل تتمتعان أيضاً بموارد زراعية ومائية واسعة. فإيران تمتد على جغرافيا متنوعة تضم جبالاً وأنهاراً وسهولاً خصبة، ما يمنحها إمكانات كبيرة في الزراعة والسياحة. أما العراق فيمر عبر أراضيه نهري دجلة والفرات، وقد عُرف منذ آلاف السنين ببلاد الرافدين، حيث نشأت إحدى أقدم الحضارات في التاريخ. ورغم هذه الإمكانات الطبيعية الكبيرة، فإن الواقع الاقتصادي والاجتماعي في تلك الدول لا يعكس دائماً ما يفترض أن توفره تلك الموارد. فقد أدت عقود من الصراعات والتوترات السياسية وتركيز الأنظمة على تثبيت سلطتها إلى استنزاف كثير من الإمكانات التي كان يمكن أن تُسهم في تنمية المجتمعات وتحسين حياة المواطنين. ومن المفارقات اللافتة أن المواطن في دولة تمتلك هذا القدر من الثروات والموارد الطبيعية قد يجد نفسه أحياناً باحثاً عن فرصة خارج حدود بلده، أملاً في حياة أكثر استقراراً وأمناً وفرصاً أفضل للعيش الكريم. وهو واقع يبرز أن وفرة الموارد لا تعني بالضرورة وفرة الفرص إذا لم تُدار تلك الموارد بما يخدم الإنسان أولاً. وتظهر المقارنة بين ضفتي الخليج تجربتين مختلفتين في إدارة الثروة. فحين استطاعت دول ذات بيئة صحراوية محدودة الموارد أن تبني مساراً تنموياً واضحاً عبر التخطيط بعزيمة وإصرار، فإن دولاً أخرى تمتلك أنهاراً وأراضي خصبة وثروات كبيرة لم تتمكن من تحويل تلك الإمكانات إلى تنمية مستدامة لشعوبها.