سينمائياً.. نحن إنسانيون أيضاً.
كُتِبَ هذا المقال كمخاض لعدد غير معلوم من النقاش مع مهتمين بالمجال السينمائي حول نقطة يعاد إثارتها بين الحين والآخر، وهي مفهوم المحلية عند الاتكاء عليها للانطلاق نحو هوس العالمية. وعندما أذكر كلمة “هوس” فأنا أقصدها تماماً، حيث يلح في بال الكثيرين أن الوصول الحقيقي هو بلوغ تلك المكانة، ومن دونها فأنت كسينمائي لم تقدم ما يُذكر، فالسينما هناك، حيث أصحاب البشرة البيضاء والعيون الملونة. ومؤسف الإشارة إلى البديهيات، ولكن ليكن معلوماً بأنه لا ضير في الوصول إلى هناك بقصص تشبهنا، ونابعة من بيئتنا، لا كرغبة ملحة بأن نكون بجوارهم ليقال نحن وصلنا إلى القمة، فيكون المنتج هجيناً، ومكيفاً بحسب رغباتهم، ورؤيتهم القاصرة عنا كعرب. ليس في حديثي هذا أي تطرف، بقدر ما هو تعبير عن منطلق أصيل في حقنا بأن نقدم سينما تخصنا، وتعكس واقعنا المحلي. فنحن مثل بقية البشر لدينا قصصنا الخاصة، والتي من المنطق أن تكون ذات خصوصية بحتة، ولا تشبه في إطارها، وشكلها، أحد في العالم. أليس ذلك ما فعلته عدد من السينمات من قبل؟. والأمثلة في ذلك تطول، لكن الأكيد أن الأمر الجامع بين كل من يعملون في جانب الآداب والفنون هو المشترك الإنساني، فهناك، أي في أي مجتمع من المجتمعات، يوجد المكلوم والغاضب والجريح والخائن ومسلوب الحق.. وعندما تفتش عن هؤلاء بيننا سنجد من يماثلهم، بل ويتفوق عليهم في سرديته الخاصة. أشير إلى هذا المحور لتجنب ما يذهب إليه البعض في فهم مسألة التعبير عن المحلية بأننا استثناء محض، أو أن ما يجري معنا، ويراد لنا تقديمه في قالب سردي مصور، لم يسبق أن وطئه غيرنا. القصة باختصار أن تتحول تلك الوسيلة إلى لسان ناطق نُفهم من خلاله، لا مرآة يرى فيه الآخر نفسه من جهة، ومن جهة أخرى تقديم عمل خاضع لاشتراطات أطرت من نكون، وما هو دورنا في سيرورة هذا الكوكب الفسيح. ومن خلال هذا المدخل أذهب إلى نفي مسألتين في غاية الأهمية، فالتعبير عن قصص تخصّنا لا يعني بالضرورة الاتكاء على أساطير الماضي والحكايات الشعبية. وعلى رغم من إمكانية ذلك؛ بوصفه يصنف ضمن ذات الإطار المشار إليه في بداية المقال، إلا أنه ليس الشكل الوحيد الذي نعكس من خلاله أنفسنا. فنحن نعيش ونتفاعل مع كل ما يدور من حولنا، ولنا فيه رأي، ودور فاعل، وحكاية مميزة. المسألة الثانية، أن من حقنا، أسوة بمن سبقنا، تقديم أعمال نستعرض فيها قضايانا الكبرى، ونمرر من خلالها سرديتنا؛ بخاصة وأننا في محيط جغرافي حافل بالمتغيرات، والأحداث المفصلية، والتي كنّا في بعض منها، من صنعها، وساهم في رسم تفاصيلها. أسوق هذا الرأي في هذا التوقيت؛ نظراً لحداثة التجربة السينمائية المحلية. وبحكم المتابعة، والقرب من الدوائر الفنية، أجد من المهم أن يدرك السينمائيون أهمية مسألة الذاتية في التصور والرؤية، وأن ذلك المنطلق هو من حملنا نحن في جنوب الكرة الأرضية أن نكون متابعين شغوفين بما يصلنا من شماله. فلولا ذلك الهم لما وصلتنا الواقعية الإيطالية، على سبيل المثال، لتكون مدار دراستنا، وأطروحاتنا، ومفهومنا عن القوالب الإنسانية في عالم السينما.