في البدء : هذه إضاءاتٌ مقتصدة عن أعمالٍ سينمائيةٍ ودراميةٍ فاخرة ، بعضها مقتبسٌ من رواياتٍ عريقةٍ ، كبيرةٍ ، ومدهشةٍ نالت حظًا وافرًا من الشهرةِ والذيوعِ والخلود ، وبعضها مُسْتَلهَمٌ من الواقع الإنسانيِّ المرير ، حيث باتَ الإنسانُ فيه مطحونًا كغبارِ الزجاج ، ضريرًا لا يرى إلى أين تدفعُ به رياحُ الآيديولوجيا العمياء أو تلك الأفكارُ الضريرةُ المغلقةُ على ذاتِها ، الأمر الذي جعله مثل حَبَّات قمحٍ في رِحى هذه الحياةِ المليئة بالكراهية والمغامرات الحمقاء والحروب. * مفتتح : « الحربُ تُغيّرُ الكلمات. الحبُّ -مثلًا - ليستِ الكلمةُ التي عهدتُها دومًا ». * من فيلم “ امرأةٌ في برلين “. ...............................1 تعرفتُ عميقًا على العالم السردي البديع لإريك ماريا ريماك حين قرأتُ له روايته المذهلة “ ليلة لشبونه “، التي ترجمتها الدكتورة ليلى نعيم بحبرٍ فاتن، إنها من تلك الروايات التي تستدرجُ قارئها ببراعةٍ إلى عالمها الزاخر، وتستولي عليه بمجرد قراءةِ حفنةٍ من سطورها الأولى .. تدور أحداثُها في ليلةٍ واحدة، إذْ يروي أحدهم لرفيقه عبر التذكّر والاستعادة والنبش في الذاكرة ـ وهما ينتظران سفينةً على رصيف الميناء ـ ما جرى في الماضي من أهوال الحرب وتداعياتها على النفس البشرية التي آلتْ إلى شظايا كشظايا الزجاج، وفي هذا السياق يحضرُ بكثافةٍ تهَدُّمُ الإنسان حتى يستحيل طللًا دارسًا أو أنقاضًا تستجلبُ أنقاضًا، كما تحضرُ مفاهيم جديدة للموت والزمن والحرية والوجود والعدم والأنا والآخر ...الخ، وهي مكتوبةٌ بلغةٍ تقتربُ من تخومِ الشعرِ الصافي ..صدرت في طبعتين، الأولى عن مؤسسة الأبحاث العربية ( سلسلة “ ذاكرة الشعوب “ التي توقفت للأسف الشديد )، والثانية عن الدار السعودية الرائعة “ أثر “. موضوعة الحرب هذه - حيث يتكرسُ هدمُ الإنسان وطحنه واستعباده ورميه في المهالك وتدميره تدميرًا كاملًا وسحقه مثل حشرة - كانت هي الهاجس الملّح للسارد الكبير إريك ريماك بدليل إنها برزت في عملٍ سرديٍّ آخر له بعنوان “ كل شيء هادئ في الجبهة الغربية “، هذا العمل السردي الشهير حظي باهتمامٍ كبيرٍ في عالمنا العربي وأذكر انه تُرجم إلى لغة الضاد بحبرِ أكثر من أربعةٍ من المترجمين العرب صدرت ترجماتُهم عن دور نشرٍ مختلفة، أذكر منهم محمود مسعود وأبرار الصيرفي ومحمد عبدالعزيز وثمة ترجمة رابعة صادرة عن دار الهلال نسيت اسم المترجم للأسف والحجة على ذاكرتي المثقوبة. هذا العمل الروائي الذي بُنِيَ على أهوال الحرب العالمية الأولى أضحى أكثر ذيوعًا عندما تبنته السينما، وبات أكثرَ وجعًا وإيلامًا لكلِّ من شاهده بوصفهِ فيلمًا. أصدقكم القول إنني شعرتُ بحزنٍ عميق وأنا أشاهدُ شبابًا في عمر الورود صاروا حطبًا بل رمادًا في محرقةٍ هائلة ؛ إرضاءً لنزوةِ زعيمٍ أو قائدٍ ألماني كان يهجسُ باحتلالِ مناطق فرنسية أو استعادتها حسب وجهة نظره. كان القادة و الجنرالات الألمان الكبار - كما أفصحَ الفيلمُ والروايةُ - من دون ضمائر و من دون قلوب، ومن دون حكمةٍ أو بصيرة، يعيشون بعيدًا عن جبهة الرعب حيث الموت والجوع والعذاب والخوف والبرد والمطر والوحول والأوجاع والكوارث، نعم كانوا يعيشون حياةً باذخةً في قصورٍ فخمةٍ ونعيمٍ يكادُ يكونُ مقيمًا، يعشقون ويتزوجون ويفرحون و يحتسون الشرابَ الفاخر ويتناولون أشهى الموائد فيما جنودهم - وهم في أعمارٍ غضّة - متروكون للجوع والموت والفجائع المريرة والهزائم الساحقة والجحيم الهائل، وقد ذهبتْ جميعُ أحلامهم بوصفهم بشرًا أدراجَ الرياح. يكفي أن أقول إن أكثر من 17 مليون إنسان ذهبوا ضحيةَ قائدٍ متعجرف، منفوخٍ بالأوهام والأطماع و العنتريات الفارغة. على أيِّ حال، “ كلُّ شيءٍ هادئ في الجبهة الغربية» عملٌ يستحق القراءة بوصفه سردًا رائعًا، كما إنه يستحق المشاهدة بوصفه عملًا سينمائيًّا كبيرًا رغم المرارات الكبيرة التي سوف يتركها العمل لدى المتلقي، ولسوف ترسخُ في القلب والروح والذاكرة. ...............................2 أسرني فيلمٌ بعنوان«أحلام القطار» . هو بإيجاز فيلمٌ ساحرٌ، يجعلك تعيش بين الحلم واليقظة، بين الواقع والخيال، بين مرارة ما تقترحه عليك الحقيقةُ المؤلمةُ وفسحةُ الأعياد التي تقترحها عليك الأوهامُ أيضًا.. إنه كما وصفته كريستين حبيب “ فيلمٌ غير عاديٍّ عن حياةٍ عادية “. في هذا الفيلم الآسر ثمة شاعريةٌ طاغيةٌ تفيضُ من النصِّ المكتوب ببراعة، تفيضُ من الصورة حيث المكان الفاتن و سحر الغابات و تجليات الأشجار العالية والظلال المترفة، كما تفيضُ من حوارٍ آسر بين البشر هناك، أعني أبطال الفيلم، كما لو كانوا يقيمون في جنة الحياة، وتحديدًا ذلك الحوار الذي يتدفق من كلام قاطعي الأشجار كما تتدفق القصائد. يقولُ الفيلمُ في صياغةٍ مدهشةٍ وغير عادية إن الأشجارً ليست مسالمةً دائمًا رغم خضرتها وجمالها، صحيح إنها قد تمنحك الكثير من الثمار والوفير من الظلال وثروةً من الجمال والسكينة والهدوء والكثير من الأغاني وموسيقى الطبيعة التي تبرعُ في صوغها الطيورُ والعصافيرُ والكائناتُ العصيّةُ على الوصف التي تسكنها لكنها - أي الأشجار - لا تغضُ الطرْفَ عمَّنْ يستهدفُ خضرتها وحياتها وأعيادها وأحلامها العذبة، حين تحينُ لها الفرصةُ تقتصُّ لنفسها و تأخذُ الثأرَ بغتةً من أعدائها وهم في العادةِ بشرٌ من طينةِ الانتهازيين المعادين للطبيعةِ وأعراسِ الحياة. البطولة لجويل إدجرتون وفيليسيتي جونز، الثنائي الآتي من زمنٍ آخر كما تقول منصة “ نتفليكس”. ...............................3 في عزلةٍ مليئةٍ شاهدتُ فيلمين رائعين ، الأول بعنوان “ عازف البيانو “، والثاني بعنوان “ أرض الألغام “ .. الأول يروي ما ارتكبته النازيةُ من فظائع يندى لها جبينُ الإنسانية بحق البولنديين - وتحديدًا اليهود هناك - والثاني ما ارتكبه الدانماركيون بحق مجموعةٍ من الصِبْية الألمان الذين وقعوا في الأسْر وكانوا يتوقون للعودة إلى ديارهم ويحلمون بدفء الأمهات وبقليلٍ من الملذات الصغيرة، لكنهم كُلّفوا بنزع الألغام التي زرعها النازي كعقابٍ لهم، فما كان إلا أن حصدتهم تلك الألغام كما حصدت أحلامهم اليومية البسيطة. خرجتُ من الفيلمين بهذا الدرس الصارم الذي دفعني إلى الشعور بالغثيان : في الفعل وفي ردة الفعل معًا تدفعُ الكراهيةُ العمياءُ البشرَ إلى انحطاطٍ كارثيٍّ، وإلى الحطِّ من مستوى الإنسانية إلى مستوى الحيوانية التي ندينها في أدبياتنا كل يوم. ...............................4 وفي عزلتي المليئةِ أيضًا، شاهدتُ فيلمين جميلين آخرين : الأول بعنوان «قائمة شندلر » ـ مدته أكثر من ثلاث ساعات، حاصل على سبع جوائز أوسكار وهو للمخرج الشهير سبيلبيرغ .. الثاني بعنوان «الطفل ذو البيجامة المخططة» وهو فيلم بسيط عميق يتكئ على براءة الطفولة والحسِّ الإنساني والإيحاءات البليغة من دون ثرثرةٍ أو تفاصيل فجة. الفيلمان ببساطة يتناولان فظاعات النازية التي يرفضها ويدينها كلُّ ذي حسٍّ سليم ..لكن السؤال الذي ظلَّ يلحُّ عليَّ حتى هذه اللحظة :كيف استطاعَ فكرٌ كهذا أن يحوّلَ الإنسانَ إلى محضِ وحش ؟ والسؤال الثاني الأكثر إلحاحًا هو : كيف تحوّل من كان يصفُ نفسَهُ بأنه ضحيةّ ـ في يومٍ من الأيام ـ إلى محضِ جلاد ؟ ...............................5 لما فيه من صدقٍ وحرارةٍ وبراعةٍ في التناول ، أسرني هذا الفيلمُ الذي بعنوان( The Boy Who Harnessed the Wind ) - الذي استمتعتُ بمشاهدته على منصة نتفليكس. الفيلمُ يتحدث عن بلدٍ إفريقيٍّ يعاني فيه الناسُ من الفقر والجوع و الإهمال والاستلاب والتهميش والتسلط والقمع والفساد والديكتاتورية واستغلال الأراضي ونهب المحاصيل والأحلام معًا، الأمر الذي يجعلُ قلبَكَ يدمع فيما أنت تشاهد كل هذا البؤسِ الفادح. أجملُ ما في هذا الفيلم إنه ينحازُ للناس البسطاء وآمالهم العريضة، كذلك ينحازُ للأملِ ويتصدّى لليأس، كما ينحاز للعلمِ ضد الخرافة، وتحديدًا العلم الذي يمكثُ في الأرضِ ويُعِينُ الإنسانَ على تجاوز مصاعب الطبيعةِ وضراوتها وخيباتها. في سياق هذا الفيلم البسيط المدهش لفتت انتباهي مقولةٌ للشخصية المحورية فيه وهي تشيرُ ساخرةً إلى مشهدٍ من مشاهد الحملات الانتخابية الزائفة، مفادها : “ الديموقراطية مثل الكاسافا المستوردة تتعفنُ سريعًا “..وهنا أيضًا لفتَ انتباهي ذلك الصبيُّ الصغيرُ العبقريُّ الشغوف بارتيادِ المكتبةِ و قراءةِ الكتب العلمية، “ المخترع “ الصغير الذي دأبَ على ترويضِ الرياح واستدراجِ المطر بوسائل بسيطة، وانتصرَ - بإعمال العقلِ واستثمار العلم - على الظروفِ البائسةِ و اليأسِ والإحباطِ وأنقذ الأرضَ من الجفاف والناسَ من الموت. أخيرًا أقول: أخرجَ هذا الفيلمَ الرائع وكتب نصه وأدَّى دورَ البطولة فيه الممثل والمخرج البريطاني - من أصولٍ نيجيرية - شيواتال إيجيوفور. ...............................6 لستُ من أولئك المغرمين بالمسلسلات، ولستُ خبيرًا بالدراما، وأيُّ كلامٍ يصدرُ عني يتناولُ هذا المجال هو محضُ انطباعاتٍ عابرةٍ من متلقٍ عادي، يروقُ لي ما يلمسُ القلبَ، ويأسرني الممثلُ الذي لا يتكلّف، كما يشدني المشهدُ العميقُ الذي يفيضُ صدقًا. في هذا السياق، أسرني كثيرًا المسلسل السوري “ الزند : ذئب العاصي “، أسرتني الحكايةُ، المضمونُ، التصويرُ، الأمكنةُ التي تم فيها التصوير، المشاهدُ المبثوثةُ حول نهر العاصي، الحوارُ الذي لا ثرثرة فيه، اللهجةُ الساحرة ، و الطبيعةُ، أعراسُ الطبيعة، المغاراتُ ليلًا حيث السكون الصافي وحوار النار والحطب، فضاءاتُ الضيعة، جمالياتُ المكان، جمالياتُ النص، وما يأسرُ الروح .أسرني الممثلون البارعون، تحديدًا تيم حسن بتألقه العالي وفرادته، ودانا مارديني بحضورها الهادئ الرصين حيث لا صراخ ولا مبالغات ولا إسفاف، و فايز قزق في دور إدريس ذلك الإبليس البشري أو السكّير القاتل. هذه محضُ انطباعاتٍ سريعةٍ لمتلقٍ شغوفٍ بالجمال، متلقٍ لا يُحْسِنُ التنظير، و لا يحرَصُ على حصدِ الهفوات. بيد أنّي تجنبتُ مشاهدة مسلسل «النار بالنار»؛ بسبب العواصف التي أثارها، وبسبب ذلك الكم الهائل من التناحر بين منتمين للبلدين الشقيقين - سوريا ولبنان - على وسائل التواصل الاجتماعي وسواها. لكني - منذ أيامٍ قليلةٍ فقط - وجدتُ نفسي “ متورطًا “ في متابعة هذا المسلسل -أعني “ النار بالنار “ -الغارق في الدم حيث تسود “ ثقافةُ الكراهية “، ووجدتُني - أنا المحب المسالم المؤمن بالعلاقات السويّة بين البشر - غارقًا في الدموع التي كانت تنسابُ هادئةً رقيقةً مع كلِّ مشهدٍ يكرّسُ المحبّةَ الصافيةَ، والعناقَ النبيلَ، وتلك العواطفَ الإنسانيةَ الجميلةَ والتضحيات الصادقة، كما وجدتني غارقًا في الحزن مع كل مشهدٍ يرثي زمنَ الثقافة والكتب والقراءة والاستنارة والوعي ويؤكد عميقًا على سطوة الظلام والجهل والسطحية والتخلّف والخفّة [ بدليل إطلاق وصف “ الحجّي “ على “ تشيخوف “ الذي كان يظهرُ في صورةٍ كبيرةٍ على حائطٍ فيما يكثرُ حوله التندُّر من بشرٍ ينتمون لجيلٍ لا يعلم قيمته الإبداعية ولا قيمة الكتب على الإطلاق..وفي هذا السياق أذكر أن الصبيّة نادية حينما طلبتْ مبلغًا من «جميل» لتشتري علبة سجائر لأنها “ مقطوعة “ كما تقول وتشتهي أن تدخن، أهداها هذا الأخير صورة تشيخوف وهو يقول ساخرًا : “ بيعُ هذه الصورة سوف يجعلك تشترين كِرْزًا وليس علبة واحدة فقط “ !] أمّا “ جميل “ - وهو مثقفٌ اشتراكي قديمٌ أو عتيد - فقد باعَ مكتبتَهُ الثمينةَ لحظةَ يأس ؛ استجابةً لغيابِ اليقين و للغرق في عوالم الضياع والقمار وضلالات السراب والاستسلام لسربٍ طويلٍ من تلك المتاهات العمياء. تلك السطوة - أعني السطوة الظلامية - حَلَّتْ متزامنةً مع سطوة “ الثيران الراديكالية “ التي تحرقُ الكتبَ بِعَدَاءٍ سافرٍ وتقتلُ الإنسانَ بدَمٍ بارد، كما حلَّتْ سطوةُ الدولار الذي كان يلمعُ في كل مشهدٍ من المسلسل برمزيته التي تفخخ الحياةَ النبيلة وتصادرُ القيم، بالإضافة إلى ذلك كله سطوة تلك الظلال القاتمة المتجلية كإرثٍ قاتمٍ منذ زمن الحروب الأهلية حيث النزاعات والخيبات والشعارات الفاشلة التي تفضي إلى أدلجة المجتمعات وتحويل البشر فيها إلى محض قطعان عمياء ، كلُّ قطيعٍ يفتكُ بالآخر. بقي أن أقول : أسرتني الممثلة كاريس بشار بأدائها العفويِّ الذي لا تكلُّف فيه ؛ لهذا كنتُ في كل مشهدٍ تتجلّى فيه أقولُ : يا لها من ممثلةٍ بارعة ! أمّا عن شخصيات المسلسل الأخرى، فقد وجدْتُني محبًّا لجميل وقمر وعزيز ومريم ولذلك الصبي بارود الذي اتضح في نهايات المسلسل أنه يحملُ أكثرَ من اسم لكنه لم يكنْ يحمل أكثر من قناع. ...............................7 وفــــي سيــاق الحـديث عــــن الدراما، أقول : قبل أيام - على منصة “ شاهد “ - تابعتُ المسلسل السوري “ مولانا “.. بطولة تيم حسن، ومنى واصف، وفارس الحلو، ونور علي. والإخراج لسامر البرقاوي. راقَ لي جمالُ المكان المؤثث بالأشجارِ والغيومِ والمطر ، القصرُ الأنيقُ الذي يلمعُ بين التلالِ و” يموجُ مثل العيد “ كما كانت تغني السيدة فيروز، بساطةُ الناسِ الطيبين. وفي المقابل، أزعجني جنرالاتُ الثكنة وفسادُهم ولصوصيتُهم وقسوتُهم ودمويتُهم وشعاراتُهم الفارغة وسطوتُهم على الناس، وثقافةُ البسطار. الثيمةُ الأساس في هذا المسلسل هي : في زمنٍ بلا نوعيةٍ كهذا يستحيلُ اللصُّ المرتشي قائدًا وطنيًّا عظيمًا يزعمُ انه يحمي الحدودَ المفخخةَ والملتبسة فيما هو يعتقلُ الأبرياءَ ويذيقهم سوءَ العذاب، ويستحيلُ القاتلُ ذو الماضي القذر رجلًا صالحًا يتبرك به السذّجُ والطيبون ويقدسونه وينادونه “مولانا “. ...............................8 ربّما لأنّي “ طوباويٌّ “، أو كائنٌ حالمٌ ( كما يصفني - مازحينَ - بعضُ الأصدقاء ) أزعمُ أنَّ مشاهدَ الأخوّة والمحبَّة بين العرب في مسلسل “ سفربرلك “ أسرتني كثيرًا وملأتْ قلبي بالحدائقِ الوارفةِ وبساتين الفرح ؛ كما أنَّ هذا العمل المُهْدَى إلى المخرج السوري الراحل حاتم علي راقَ لي تمامًا ؛ لوجود ممثلين من سوريا والسعودية ولبنان، ولوجود حلمٍ مُضْمَرٍ في المسلسل ألا وهو : أنْ يحبَّ العربُ بعضهم بعضًا وأن يتجاسروا على أسبابِ الفرقة والكراهيةِ والعداوات وأن يتصدّوا للرياحِ المعاديةِ جميعًا، وللعدوِّ الحقيقيِّ التاريخي المشتركِ المتربصِ بنا وبأحلامِنا. وأنا أتابع هذا المسلسل الجميل تأثرتُ عميقًا بالعديد من المشاهدِ الجميلةِ التي تلمسُ القلب ..وفي كل مرّةٍ أقول : ليت ذلك التعاونَ والمحبّةَ والتفاني والتضحيةَ التي في هذا العمل الدرامي تحدث في الواقع. نعم إنَّ الوجود التركي العثماني - الذي كان بارعًا في إنتاجِ المشانقِ والخوازيق - ارتكبَ الفظاعات في عالمنا العربي بما في ذلك الحجاز طبعًا، وفي المدينة المنورة - إذْ أهانَ و قتلَ وهَجَّرَ وعملَ بدأبٍ على طمْسِ الهوية ونَهَبَ واستبَدَّ ونكّلَ بالناسِ وجوّعهم وأذاقهم سوءَ العذاب ..لقد كان يعاملهم بسطوةِ المحتلِّ وغطرسةِ اللصِّ ؛ لهذا أقول لمن لم يشاهدوا هذا العمل الجاد : ليتكم تجدون فرصةً لمشاهدةِ “ سفربرلك “ هذا المسلسل الذي يبوحُ بكلِّ هذه التفاصيل بكلٍّ شجاعة، إذ يعرِّي زيفَ ما يُسَمَّى “ الخلافة “، فالمستعمرُ هو المستعمر ..مهما ارتدى من أقنعةٍ وعلى رأسها وأخطرها على الإطلاق : قناع الدِّين. بقي أن أقول : “ سفر برلك “ مسلسل دراما تاريخي سوري - سعودي من تأليف عمرو عليو، و إخراج الليث حجو .. بطولة عابد فهد، عبدالرحمن اليماني، محمد بخش، مؤيد الثقفي، ديمة الجندي، فادي صبيح، أنس طيارة، بيو شيحان..وهو بحق “ ملحمة تاريخية تروي قصة أربعة أصدقاء عرب في جامعات إسطنبول يثورون على ظلم السلطنة العثمانية ووحشية ممارساتها “. * الخاتمة : “ كُنْ مسرورًا ؛ لأنه ما زال بإمكانكَ أن تبكي ! “ * من مشهدٍ مؤثر من فيلم “ ستالينجراد “ : جندي ألماني يخاطب زميلًا له خَرَّ باكيًا بعد موت الآلاف من رفاقه.