شهدت السينما في الأعوام الفائتة ما يمكن وصفه بـ إعادة “معالجة القضايا الاجتماعية” تمثلت بتحقيق أفلام كوميدية درامية متنوعة مزجت الشكل السينمائي بمضمون سجالي طال العنصرية والعلاقات الإنسانية، كما تناولت حكايات فردية هي جزء أساسي من الحكاية الجماعية مع أمكنة حاضرة في المشهد العالمي، ناسها لاتزال تشهد حكاياتها. ولعل فيلم “الدكتور الأفريقي” للمخرج والكاتب الفرنسي “جوليان رامبالدي” خير مثال، وهو فيلم فرنسي كوميدي درامي صدر عام 2016م، يقول بالبنط العريض؛ “إن الرجل ذو البشرة السوداء مساو للرجل ذو البشرة البيضاء” أي لا حاجة له أن يتحول إلى أبيض، فله عقل ووجدان وهما الأساس، إنما من الجهة الأخرى، المجتمع، بالأخص مجتمع القرية المنغلق على نفسه لا يتقبل الغريب فما بالك لو كان هذا الغريب مختلفًا عن أفرادها في لون البشرة. فيبرز هنا تساؤل؛ كيف يقبل المجتمع القروي كائنًا غريبًا يُغرز في مخيطه النسيجي الصغير؟! ملخص حكاية هذا الفيلم تقول: انتهى الدكتور الأفريقي الزائيري “سيولو زانتوكو” من دراسة الطب وما ترك باباً إلا طرقه بحثاً عن تنمية طموحه النبيل، وقد رفض عرضًا وظيفيًا في زائير كطبيب خاص للرئيس “موبوتو سيسي سيكو” ليتجنب الفساد في دولته، فقابل رجلاً فرنسياً كان في زيارة لزائير، وهو عمدة قرية صغيرة في شمال فرنسا، قدم له العمدة عرضاً وظيفيًا شاغراً؛ بأن يعمل طبيبًا في عيادة القرية التي تحتاج إلى طبيب. ترك “سيولو” زائير واختار أن يتوجه إلى فرنسا ليضمن أفضل تعليم لأبنائه وعيشًا كريمًا لأسرته، غير أن الحياة في القرية إلتهمت فرحتهم، فواجهوا معاناة في عدم التأقلم في حياتهم الجديدة، فأهل القرية عنصريين لا يألفون الأشخاص الغرباء، وعيادة “سيولو” الوحيدة في القرية لا يزورها أحد، وعندما يحتاجون إلى طبيب يفضلون الذهاب إلى القرية المجاورة بدلا من زيارة رجل أسود و”مشعوذ” كما يعتقدون، إضافة إلى تعرض أطفاله للتنمر في المدرسة. بعد هذا يدخل سيولو وزوجته “آن” في مشادة حادة أمام أهالي القرية من هذه الحياة البئيسة، فتقترب حياتهم من خطر الانهيار، ولم يعد يعرف كيف يتصرف، رغم كل ما كان يبذله في سبيل توازن الكفتين. يمضى “سيولو” وعائلته أشهراً في هذه القرية تواليهم أحداثًا كثيرة، منها كوميدي ومنها تراجيدي، يستميتون خلالها كي يحسنوا التعامل مع أهل القرية، حينئذ يلاحظ أطفال القرية أن هؤلاء الأطفال ذوي البشرة السوداء لهم طباع وتصرفات بشرية شبيهة بتصرفاتهم، وأحيانًا بسلوك يفوقهم. الطبيب كان لديه مخزون معرفي في الطب يريد يفيد به الآخرين، فتأتي فرصة ناجعة لـ سيولو بأن يقوم بتوليد امرأة مزارع في القرية اضطرارياً ويفوز بثقة المزارع ومن ثم أهل القرية فتتحول عيادته قبلة للمرضى وتنقلب الحالة من مصدر كراهية إلى مصدر محبة، بل هناك ما هو الأعظم من ذلك كله، هو مطالبة أهل القرية بعد أن أيقنوا بأنهم آدميين مثلهم، بمنح “سيولو” وأفراد أسرته الجنسية الفرنسية عن جدارة واستحقاق. لا حاجة للخوض هنا في تفاصيل كثيرة متوفرة، غير أن ما يعنينا هو أن “رامبالدي” كتبها وأخرجها اخراجًا إنسانيًا فعالًا، بفكر متجرد وأخلاقي في آن واحد، وأدى هذه “الحدوتة” طاقم عمل أداءً أجمل وعلى رأسهم “مارك زينغا” و”أيسي مايغا”. انها ليست رسالة عادية لكن ويا للأسف يبقى هناك القلة ممن يرغبون في تدمير هذا الاتجاه الإنساني، والقضاء على كل ما هو نبيل والميل إلى العنصرية الدفينة وعدم تقبل - على سبيل المثال - الأوروبي للأفريقي، في وقت مثل أولئك البشر بحاجة فيه إلى الأنسنة. يقول الدكتور ميجان الرويلي والدكتور سعد البازعي، في كتابهما دليل الناقد الأدبي، في ثنايا نقد الإنسانوية: رغم أن هذا النقد غيض من فيض، إلا أن الإنسانوية لن تختفي، إنما ستبقى ما بقي الإنسان، تنضوي تحت توجهاته الفكرية والاقتصادية والسياسية والاجتماعية والأخلاقية. لذا وانطلاقًا مما تقدم، فإن الفرنسي “جوليان رامبالدي” أوجد عملًا إنسانيًا جيدًا كذلك أوجد متعة سينمائية هادفة تختصر في أقل من ساعتين فكر عدم الاختباء وراء الأشياء ووفر جهدًا منهجيًا جبارًا.