« آنا » والسعادات السبع.
كانت آنا تدرك تمامًا أن السعادة ليست حالة تُعاش، ولا حدثًا قائمًا بذاته، وأنها لا تخضع للزمكان ، بل هي لحظات مسترقة… تشبه مشاهد باهتة من فيلم قديم، أو صورًا في دفترٍ منسي؛ كضحكة مع صديقة قديمة، أو فنجان قهوة تشاركناه مع من لم نتخيل يومًا أنهم سيرحلون. تأتي—كفرقعة أصابع ساحرة طيبة—تمرّ خفيفة، لا نشعر بها إلا حين تصبح ذكرى. كوميض كاميرا قديمة، يلمع… ثم ينطفئ، مخلّفًا فينا ذلك الإحساس الثقيل بالذنب: لماذا لم ننتبه؟ لماذا لم نبتسم للصورة التي ستحمل سعادتنا وترحل بها عبر السنين؟ كانت لا تزال تقلّب صفحات دفتر الصور. توقفت عند صورة قديمة: طفلة على أرجوحة معدنية، في حديقة تُسوّرها أشجار النارنج. حدّقت آنا طويلًا. التقطت نظارتها، وضعتها، ثم أعادت النظر… الفستان الأبيض المزيّن بكرات حمراء—فستانها. قصة الشعر القصيرة—لها. مرّرت أصابعها على حافة الصورة، فانفتحت بوابة الزمن: صرير الأرجوحة، حفيف أوراق النارنج، نسائم ربيعية مشبعة برائحة القدّاح، وصوت مذياع يتسرّب من شباك المطبخ: “هنا بغداد… السادسة مساءً…” أختها الجالسة على كرسي غير بعيد ترفع رأسها من مجلة ملوّنة: — بحر معكوسة؟ تجيب آنا، وهي تدفع الأرض بقدميها: — يم… م ي تعلو الأرجوحة. أعلى… أعلى… حتى يكاد قلبها يسبقها إلى السماء. تقفز إلى الأرض بفرحٍ غامر، تتأمل ثوب العيد. تمرّر أصابعها على القماش، تبحث عن بقعة الشوكولا التي أفسدته يومًا—فلا تجدها. بعض الخطايا تمحوها الأيام. تبتسم. تدور حول نفسها. ينتفخ الثوب حولها، وتدور الكرات الحمراء كأقمار صغيرة، تتلاحق، تتشابك—كنيازك في مجرّة مجنونة. تضحك آنا الأمس. تعلو الضحكة، تتدفق في الهواء كفقاعاتٍ ملوّنة هاربة من رسومٍ قديمة. تضحك آنا الآن… لكن صوت ضحكتها يخرج مشروخًا، عميقًا، لا يشبهها. تنتبه أنها كانت تحلم… ترفع رأسها نحو المرآة. ترى امرأة تقف مكانها: وجهٌ متعب، عينان مثقلتان. حدّقت فيها طويلًا. حاولت أن تبتسم لها… لكن سيدة المرآة كانت عاجزة عن رسم ابتسامة