في لحظات معينة، تتوقف المدن عندي عن كونها مجرد كتل من الأسمنت والزحام، وتتحول إلى “كادر” سينمائي مفتوح. الرياض في شهر أبريل، وهي تتنفس تحت رذاذ المطر، تخلت عن صرامتها الصحراوية لتمنحني مشهداً يذكرني بأفلام الواقعية الشاعرية. هنا، خلف زجاج السيارة المبلل، يتحول كل تفصيل صغير إلى نص يحتاج إلى تدوين؛ ليس بالكلمات فقط، وإنما عبر الرؤية الفنية التي تحول “العادي” إلى “استثنائي”. لطالما كان ‘أدب اليوميات’ هو الخزان الجوهري للإبداع؛ ولعل هذا هو سر هذا الفن الذي يتقنه موراكامي حين يستخرج السحر من أبسط تفاصيل يومه، محولاً النص من مجرد كلمات مطبوعة إلى مشهد نكاد نراه يتحرك أمامنا كما في السينما الفذة؛ تلك التي تستلهم عظمتها من هذه اليوميات؛ من مشهد كوب قهوة في مقهى هادئ، أو من نظرة تأمل لشارع يغسله المطر. إن الفجوة التي نعاني منها أحياناً في نصوصنا الدرامية تكمن في ابتعادنا عن “أصالة اليومي”. نحن نبحث عن الدراما في المبالغات، بينما الشعرية الخفية تسكن في تلك اللقطات السينمائية القصيرة التي نعيشها ولا ندونها. إن الكاتب المحترف يستلهم مشاهد الرواية من مشاهدات متنوعة تمر من أمامه، فهو “عدسة” قبل أن يكون “قلماً”، ومهمته هي إعادة الاعتبار لليوميات المنسية وتحويلها إلى قصص تلمس الإنسان في كل مكان. بينما يغالي بعض الكتاب في حياكة حبكات معقدة وصعبة، ظناً منهم أن التكلف هو الرداء الفاخر الذي يمنحهم الشرعية، أو المسار الإجباري للتميز، يغيب عنهم أن النجاح العميق قد يسكن في أشياء بسيطة وصغيرة جداً؛ مثل رائحة الأرض بعد أول قطرة مطر، أو حوار عابر في زاوية شارع. هذه التفاصيل هي التي تمنح النص “أنفاسه”. بيد أن ثمة معضلة تكمن خلف هذا الرصد؛ وهي أن الفهم قد يتحول إلى فخ، يجرنا من دهشة اللحظة وعفويتها نحو التحليل وجفافه. الكاتب المبدع في نظري هو من يملك القدرة ليترك للأشياء البسيطة حقها في أن تظل كما هي؛ لقطة سينمائية حية، لا تحتاج لتفسير بقدر ما تحتاج لمن يشعر بنقاوتها. فحين يسألني أحدهم: (ما هي قضيتك؟)، أدرك أن قضيتي في الكتابة والحياة واحدة؛ وهي الانتصار للبساطة. أن يعود النص كما الإنسان عفوياً، يكتفي بجماله الفطري بعيداً عن إغواء التكلف. فالفوز الأسمى في الفن ليس في تعقيد الوصول، وإنما في صدق العودة إلى تلك البدايات التي تشبهنا حقاً.