إضافات الطيب صالح للرواية العربية..

قراءة جديدة في سردياته وسيرته الذاتية.

مقدمة: تعرفت لأول مرة على كتابات الطيب صالح عندما نشرت له مجلة القصة السودانية التي أسسها الاستاذ عثمان علي نور عام 1960م قصصا قصيرة :_ نخلة على الجدول وحفنة تمر ، وكانت في مكتبة المدرسة الأميرية بود مدني. . وقرأت للناقد حامد حمداي الذي قال أن الطيب صالح لا يعرف بيئة الشمالية ونصحه المثابرة والاطلاع. !! وفي عام ١٩٦٧م نشرت مجلة الخرطوم رواية عرس الزين، وقدمها لي الوالد رحمة الله عليه قائلا : هذه الرواية تبدو بسيطة وسهلة وربما يحس بعض القراء أنهم يمكن أن يكتبوا مثلها ولكن الأمر أعقد من ذلك. هذه الرواية يمكن أن نصفها بالسهل الممتنع. عودة الرواية العربية الي الريف يمكن القول ان الطيب صالح أعاد الرواية العربية إلى الريف بعد أن ظلت نماذحها العليا في الحارة القاهرية عند نجيب محفوظ والروايات الأخرى التي اتخذت من المدن العربية والأوربية مسرخاً لأحداثها. وعودة الريف في هذه الرواية كان على صورة مغايرة للريف عند محمد حسين هيكل و رومانسيات محمد عبدالحليم عبدالله.. ( كرمكول ليست مجرد مكان واقعي، بل رمز لجوهر التجربة البشرية. لقد شكلت تلك القرية الواقعة في شمال السودان فضاءاً رمزياً لرؤيته للوجرد الإنساني ، و مسرحاً تتقاطع فيه العادات الشعبية والأسئلة الفلسفية الكبرى). (١) وحينما انتبه جبرا ابراهيم جبرا للجديد الذي جاء به الطيب صالح في موسم الهجرة إلى الشمال - كان يعبر عن الحاجة إلى تجاوز العوالم الروائية السائدة في الخمسينات و الستينات، واغراقها في الواقعية التي ابتذلها بعض الكتاب والشعراء في كتابات فيها من الهاتف و المباشرة الشئ الكثير. وأشار جبرا إلى أن موسم الهجرة عالجت الموضوع الكبير ، ولم تحصر آفاقها في محدودية الطرح وشواغل الحياة اليومية. ( عدت إلى اهلي يا سادتي بعد غيبة طويلة، سبعة أعوام على وجه التحديد، كنت خلالها أتعلم في أوربا تعلمت الكثير، وغاب عني الكثير لكن تلك قصة أخرى. المهم أنني عدت وبي شوق عظيم الي اهلي في تلك القرية الصغيرة عند منحنى النيل.. سبعة أعوام وأنا أحن اليهم وأحلم بهم ) (٢). ولم يمض وقت طويل حتى أحسست كأن ثلجاً يذوب في دخيلتي ؛ وكأنني مقرور طلعت عليه الشمس. ذاك دفء الحياة في العشيرة، فقدته زماناً في بلاد تموت من البرد حيتانها) (٣). في مجمل رواياته وقصصه القصيرة نقل عوالم القرية المتخيلة ، والتي أطلق عليها قرية ( ود حامد) إلى القراء الذين قرأوا سرديات الطيب بكل اللغات الموجودة في العالم ( 40.لغة) ، ونقل شخوص القرية إلى فضاء التلقي في بيئات العالم المختلفة. وفي زيارتنا لكرمكول ضمن برنامج المشاء في قناة الجزيرة ، جاءني شاب قال انه حفيد الزين وأن الاسم الحقيقي لجده هو الفضل. حينما قرأ بعض اهل القرية، أو استمعوا لما كتبه الطيب عنهم قالوا له أن الوقائع والأقوال تشبهنا ولكن الكلام فيه لولوةوعبر الطيب أن هذه اللولوة هي الفن.فن كتابة القصة والرواية. وفي عرس الزين اشتركت كل معسكرات القرية على اختلاف اثنياتهم في العرس الأسطوري الذي أصبح حكاية تحكى ومثلاً يضرب تتناقله الأجيال. ومن الملاحظات الهامة التي يجب عدم اغفالها أن عرس الزين قد شارك فيه وأبدع في المشاركة كل أولئك المهمشين في المجتمع من ذوي الاحتياجات الخاصة وكانت مشاركتهم لافتة ومميزة. ولم يكن الزين الا انساناً يتسع قلبه لأولئك الذين ينظر اليهم المجتمع كحالات شاذة ( كانت للزين صداقات عديدة من هذا النوع من الأشخاص الذين يعتبرهم أهل البلد من الشواذ، عشمانة الطرشاء ، وموسى الأعرج ، وبخيت الذي ولد مشوهاً ليست له شفة عليا، جنبه الأيسر مشلول) كان الزين يحنو على هؤلاء القوم (٤) ص ١٨٥. وتضع الرواية في عرس الزين الزين كبوق.. فما ان يصرخ بطريقته العجيبة أنه مكتول في حوش فلان، الا وياتي الفتاة المعنية السعد ويلفت أنظار المتطلعين إلى الزواج ، فكان الزين رسول الحب ، مما جعل والدته تسبغ عليه صفة الصلاح والولاية ، وهو من هو في عبثه و ( طرطشته ). مكر الريفيين الريف عرف عن أهله في السودان، وفي عموم المنطقة العربية والقارة الأفريقية وربما في بيئات أخرى حول العالم الطيبة و البساطة والبراءة. ولكن ككل مجتمع بشري لابد أن يكون هناك من هم على درجة من المكر والذكاء الفكري الذي يبلغ أسطع تجلياته مع سعيد البوم فهو يبلغ مراده بالحيلة ، ويحتال على من؟ على الناظر ( ناظر المدرسة) الرجل المتعلم صاحب المكانة العالية في مجتمع القرية، وتنطلي حيلة سعيد على الناظر. وهو تكتيك ابتدعه سعيد يمكن أن يشابه ما فعلته الدول الأوربية مع مصر في اغراقها بالديون في القرن التاسع عشر على ايام الخديوي اسماعيل ، ومن ثم السيطرة عليها، واخضاعها لنفوذهم.و كذلك واصل الغرب الاستعماري ذات السياسات في القرن العشرين و ما بعده مع مستعمراته السابقة . فسعيد البوم والذي يظنه الآخرون في القرية أنه (غشيم) تفاجأ الجميع أن وراء هذا المنظر الخادع شخص ذكي مراوغ محتال ، وهذا ما عنيناه بمكر الريفيين. وتطور سعيد مع نمو ثروته ، وعرف أن المال هو الذي سيفسح له مكاناً في صدارة المجتمع الصغير في القرية، لينتقل من سعيد البوم إلى سعيد الظريف وسعيد عشا البايتات كما صدحت بذلك المغنية. ويبدو أيضاً أن الزين استغل سماحة المجتمع الريفي.، في صناعة اسطورته، وساعدته الظروف باقترابه من الحنين ذلك الصوفي المحترم في مجتمع القرية، فالزبن أيضاً كان لديه ذلك الذكاء الفكري في الاستفادة من الأجواء التي يخلقها في المجتمع المتسامح معه. وهذه التغيرات والتطورات التي حلت بالزين وسعيد عشا البايتات ، أصبحت من المسلمات التي يقرها المجتمع. وقال سعيد القانوني : (عشا البايتات معذور. مخه مشغول بالسياسات العلبا. دحين هو فاضي كمان عشان يؤكد الحمارة أمها منو وحبوبتها منو ؟ والله يا الطاهر انت ما ليك حق دا راجل بقى في زمرة الحكام أجاويد البلد ) (ه). و تبرز في عرس الزين اشكالية التباين بين الأسلام الرسمي كما يمثله الامام ، و الإسلام الصوفي الشعبي ، و لعل تسامح المتصوفة ساهم في رتق النسيج الاجتماعي طوال تاريخ السودان منذ القرن الخامس عشر الميلادي. و المعروف أن عددا من شيوخ التصوف تزوجوا من سراريهم . الأمر الذي سهل اندماج طبقة الرقيق في المجتمع ؛ و كذلك كان لتعاملهم الراقي مع كل مكونات المجتمع أعظم الأثر في تماسك المجتمعات السودانية. تقنيات الكتابة السردية عند الطيب صالح : بتتبعنا لمسيرة الطيب صالح في سنوات تكوينه الثقافي ، توصلنا الي أنه في سنوات الدراسة في مدرسة بورتسودان الأميرية الوسطى و مدرسة وادي سيدنا الثانوية و حتي كلية الخرطوم الجامعية أن له ولعا بقراءة الروايات باللغتين العربية و الإنجليزية، كما تلاحظ شغفه بالمسرح و السينما و يحدثنا الراحل محمد خير حسن سيداحمد ( قاص تتلمذ علي الطيب صالح حينما كان معلما في مدرسة رفاعة ) أن الطيب صالح حول بعض الروايات الي أعمال مسرحية و منها رواية دستويفسكي الجريمة و العقاب و قام بأدائها طلاب المدرسة. و بعد ابتعاثه الي معهد بخت الرضا لتدريب المعلمين ، كانت هناك حركة مسرحية رائدة يقودها الدكتور أحمد الطيب أحمد الذي أعد في لندن رسالته للدكتوراه عن المسرح العربي . ومن بين أعمال د. احمد الطيب سودنته مسرحية هاملت لشكسبير و تقديمها للجمهور. هذه الالتفاتة المبكرة للمسرح . و اهتمامه بمشاهدة الأفلام السينمائية، وقراءاته لكبار كتاب الرواية في الوطن العربي ة العالم باللغتين العربية و الإنجليزية. و كل هذه المعرفة و الخبرة والتجربة رفدت الموهبة الكامنة فيه و ساهمت فيما بعد في تشكيل مغامرته الإبداعية و اختط لنفسه طريقا مغايرا ويتبني الاختلاف عن طرق الكتابة السائدة في السرد ، وقد حقق إنجازا اعتبر نقطة تحول فارقة في مسيرة الرواية العربية وتوقف عند منجزه الإبداعي القراء والنقاد في مختلف أنحاء العالم.. وبرز من بين هذه التقنيات المرتبطة بالدراما (المسرح و السينما ) استخدامه للحوار كجزء أصيل من بنية نصه الروائي مما ساعد في تطوير الأحداث ، و في رسم الشخصيات بكل ابعادها النفسية و مواقعها الاجتماعية ، و تفاعلها في عالم الرواية . و ادت الحوارات دورها في بنية النص السردي بكسر رتابة الوصف و الحكي . و حوارات شخوص الطيب تتميز بدلالات عميقة، إن أحسنا قراءة النصوص ؛ فهي تتطرق الي الأسئلة اللي تؤرق الإنسان في كل مكان و زمان : عن الموت و الحياة والمصير الإنساني ؛ وعن التطورات السياسية في حقبة الاستعمار البريطاني للسودان، وفترة ما بعد الاستقلال. و تجئ فيها المقارنات بين أوضاع القرية و أنماط الحياة في أوروبا . و تتميز روايات الطيب صالح خاصة في موسم الهجرة بأكثر من راو ، و هذا ما التفتت إليه. د. يمني العيد في دراستها: الراوي، الموقع و الشكل. فالراوي هنا يقدم سرديته ، كما يضئ م. سعيد للراوي و من ورائه القارئ الجوانب الخفية و المعتمة من حياته منذ طفولته و حتي مغامراته الجنسية التي انتهت به الي أن يكون قاتلا و سجينا ؛ و عائدا الي قرية في شمال السودان. و نلاحظ هنا أن م. سعيد أصبح في القرية آخرا، و كما كان آخرا في أسرته و في القاهرة و لندن. ومن استخدامات الطيب صالح واستعارته لتقنيات السينما آلية الاسترجاع ( الفلاش باك ) ، و المونتاج تتابع الصور مما أتاح لرواياته الخروج من إطار الرواية الكلاسيكية الي فضاءات التجريب و الحداثة ؛ مما فتح للرواية العربية آفاق جديدة لم تعرفها من قبل . فدم الطيب في رواياته حكايات يمتزج فيها الواقعي والأسطوري مستفيدا من التراث الصوفي السوداني و العربي؛ و من قراءاته في المسرح والتاريخ ( عطيل نموذجا) موظفا آلية الاسترجاع و تحطيم البناء الأرسطي الذي أسر فن السرد والمسرح لقرون طويلة. ومن يقرأ الطيب صالح يعيش أجواء المشهد السينمائي الذي يعتمد البداية من أي نقطة، و يعزز ذلك عملية التداعي __ وهذه التقنيات الي جانب طرقه لعملية الصراع الحضاري بين الجنوب و الشمال هي التي دفعت بموسم الهجرة إلى الشمال الي مكانتها المرموقة في تاريخ الرواية العربية و العالمية. هوامش : ______ 1 / الطيب صالح بين المحلية و العالمية / د. غانم السامرائي/ ورقة قدمت في النادي الثقافي العربي الشارقة 30 أكتوبر 2025 2 / موسم الهجرة إلى الشمال ضمن الأعمال الكاملة .الروايات و القصص / ط مركز عبدالكريم ميرغني الثقافي 2010 ص 33 3 / المصدر السابق ص 33 4 / المصدر السابق رواية عرس الزين ص 185 5 / المصدر السابق رواية مريود _ بندر شاه ص 366