أصدقاء الكرسي.
في حياة كثير من الموظفين، وبخاصة من يشغلون مناصب لها علاقة بمصالح الناس، يتسع محيط العلاقات بشكل لافت. تكثر الزيارات، وتتوالى الاتصالات، وتتنوع الدعوات، وتزداد المجاملات في كل مناسبة. يحيط بهم الأقارب والأصدقاء والمعارف، بل وحتى بعض الموظفين ممن يعملون تحت إدارتهم، في صورة توحي بأن هذا الحضور نابع من محبة واهتمام، وأن هذه الدائرة الواسعة إنما تشكّلت حولهم لذواتهم. ومع مرور الوقت، يعتاد الإنسان هذا المشهد حتى يصبح جزءاً من يومه، ويبدأ في تصديق أن هذا الاهتمام انعكاس طبيعي لمكانته، وأن هذه العلاقات راسخة لا تتغير ولا تتبدل، وأن ما يراه اليوم سيبقى كما هو غداً. إلا أن الواقع لا يسير دائماً في هذا الاتجاه المتوقع. ومما لفت انتباهي ما مرّ به أحد المعارف، ممن شغل موقعاً مهماً لسنوات طويلة، وكانت دائرة علاقاته واسعة إلى حد لافت. لم يكن هاتفه يكاد يهدأ، ولا مكتبه يخلو من مراجع، ولا منزله من ضيوف، لكلٍ منهم حاجة أو مطلب. كانت المناسبات تمر عليه مزدحمة بالتهاني، وكان حضوره مطلوباً في كثير من المجالس، حتى أصبح ذلك المشهد أمراً مألوفاً لا يثير التساؤل. لكن بعد تقاعده، بدأت الصورة تتغير، لا بشكل مفاجئ، بل بهدوء. خفت الاتصالات شيئاً فشيئاً، وتباعدت الزيارات، وتراجعت اللقاءات، حتى بدأ ذلك الحضور يتلاشى تدريجياً، وكأن خيطاً خفياً كان يجمعهم قد انقطع، فانفرط معه كل شيء. ويذكر أنه في أحد الأيام جلس في مجلسه في الوقت الذي اعتاد أن يكون مزدحماً بالزائرين، فوضع هاتفه إلى جواره، وانتظر. مر الوقت دون اتصال، ودون طرق باب، ودون أي من تلك الرسائل التي كانت تأتي تباعاً. لم يكن الصمت غريباً، بقدر ما كان كاشفاً لما وراءه. عندها أدرك أن ما تغير لم يكن ذلك اليوم، بل ما كان يظنه ثابتاً طوال تلك السنوات. وهنا تتضح الحقيقة التي قد لا تُقال صراحة: أن كثيراً من تلك العلاقات لم تكن مع الإنسان، بل مع موقعه. وأن الكرسي، في بعض البيئات، لا يرفع صاحبه فحسب، بل يجذب إليه من لا يعرفه إلا من خلاله. فإذا غاب، غاب معه ذلك التعارف المؤقت، وانكشفت المسافة الحقيقية بين الناس. المفارقة أن بعض من كانوا يحرصون على الحضور في كل مناسبة، لا لشيء إلا ليبقوا قريبين من دائرة القرار، هم أول من ينسحب حين تتغير المعادلة. لا اعتذار، ولا تفسير، فقط غياب بارد، كأن العلاقة لم تكن يوماً قائمة. هذه ليست قسوة بقدر ما هي طبيعة بشرية حين تُترك بلا وعي. فالمصلحة تختصر الطريق، والمجاملة تفتح الأبواب، لكنهما لا تصنعان علاقة دائمة. وما يُبنى على الحاجة، ينتهي بانتهائها، مهما بدا في لحظته ممتداً. والأثر الأعمق لا يظهر في غياب الآخرين فقط، بل في شعور الإنسان نفسه. حين ينتقل فجأة من زحام مستمر إلى هدوء طويل، ومن حضور دائم إلى فراغ، قد يكتشف أنه كان يعيش في دائرة لم يكن مركزها كما ظن، بل كان أحد أركانها المؤقتة. ومن هنا، تبرز الحاجة إلى وعي مبكر. أن يعرف الإنسان وهو في موقعه أن ما حوله ليس كله له، وأن يحرص على بناء علاقات لا تقوم على المنصب، بل على الصدق. علاقات لا تتبدل بتبدل المواقع، ولا تتأثر بانتهاء الصلاحيات. كما أن من الحكمة ألا يُخدع بكثرة الحضور، ولا يفسر كل اهتمام على أنه محبة، فبعض الاهتمام تحركه الحاجة، وبعض القرب تفرضه الظروف، فإذا انتهت الحاجة وتبدلت الظروف، عاد كل شيء إلى طبيعته. في النهاية، لا يُقاس الإنسان بعدد من كانوا حوله وهو على الكرسي، بل بعدد من بقوا معه بعد أن غادره، فهؤلاء هم الأصدقاء، أما البقية، فهم أصدقاء الكرسي.