ليست الإشكالية فيما قاله ابن خلدون حين قرر أن حملة العلم في الإسلام كان أغلبهم من العجم، بل في الطريقة التي تحوّل بها هذا القول إلى يقينٍ جاهز يُستدعى خارج سياقه، وكأنه حكم نهائي على العرب والعلم معًا. بينما النص في أصله لم يكن أكثر من محاولة تفسير لانتقال مراكز المعرفة من بيئة إلى أخرى، في لحظة تاريخية كانت فيها الحواضر غير العربية أكثر استقرارًا من بيئات العرب. غير أن ابن خلدون، وهو يصف هذا التحول، انزلق من الملاحظة التاريخية إلى ما يشبه التعميم البنيوي، فجعل الظرف وكأنه طبيعة، والجغرافيا وكأنها قدر. وهنا بدأت القراءة اللاحقة تُنتج إساءة الفهم: تحويل التحليل إلى هوية، والوصف إلى حكم، والنص إلى أداة إدانة أو تمجيد. المفارقة أن صاحب هذا الحكم الظاهري على “ابتعاد العرب عن العلم” كان نفسه يكتب بالعربية، ويؤسس بها علمًا جديدًا هو علم العمران، في تناقض يكشف أن الواقع الحضاري أعقد من النموذج التفسيري الذي صاغه. في هذا السياق، يأتي العلامة الدكتور ناجي معروف رحمه الله في كتابه: عروبة العلماء المنسوبين إلى البلاد الأعجمية، ليعيد توجيه السؤال من جذره، فلا ينشغل بأصل العلماء وإن رأى أنهم من أصول عربية، بل بفضاء إنتاجهم: اللغة التي كتبوا بها، والنسق الذي تشكّلوا داخله. فالعروبة عنده أوسع من أن تُفهم كدمٍ أو نسب، بل كحقل ثقافي ومعرفي يُكتسب بالانتماء الفعلي إلى اللغة وإنتاجها. وبهذا المعنى، لا يعود ابن سينا أو الفارابي غرباء عن التراث العربي، بل يصبحون جزءًا من بنيته التكوينية، لا لأنهم “عرب دم”، بل لأنهم اشتغلوا داخل العربية وصاغوا بها العقل العلمي والفلسفي لقرون. لكن هذا التحول المفهومي لا يكتمل دون النظر إلى البنية التاريخية التي أنتجته، وهو ما يتضح عند العلامة الدكتور بشار عواد معروف حفظه الله في قراءته لمسار التفاعل العربي - الإيراني في الإسلام، خصوصًا في كتابه «إيران في ربيع الإسلام». إذ لا تظهر إيران في هذا التصور كطرف خارجي غُلب أو غَلَب، بل كفضاء تاريخي دخل في عملية اندماج تدريجي داخل المنظومة الإسلامية، حيث أصبحت العربية لغة الدين والعلم والإدارة، دون أن يعني ذلك محو الخصوصيات المحلية أو طمسها. ويكشف هذا الطرح أن ما جرى لم يكن صراعًا بين كتل صافية، بل عملية تشكّل حضاري طويل، أعاد إنتاج الهويات داخل إطار لغوي وثقافي مشترك، بحيث لم يعد بالإمكان الفصل بين “عربي” و“غير عربي” داخل إنتاج العلم الإسلامي إلا اصطناعيًا. ويتقاطع هذا الفهم مع ما لاحظه عدد من المستشرقين الذين تجاوزوا القراءة العرقية الصارمة. فيوليوس فلهاوزن، رغم ميله إلى قراءة التاريخ الإسلامي عبر ثنائية العرب والفرس، أدرك أن التحول في المشرق لم يكن سياسيًا فقط، بل ثقافيًا عميقًا، وإن ظل تفسيره محكومًا بتوتر هذه الثنائية. أما برتولد شبولر فقد رصد استمرار الشخصية الفارسية داخل الإطار الإسلامي، مع إقراره بأن العربية كانت لغة العلم العليا، لكنه ظل يقرأ التفاعل بوصفه توازياً بين هويتين أكثر من كونه اندماجًا واحدًا. في المقابل، تُقدّم المدرسة الاستشراقية المتأخرة مقاربات أكثر تركيبًا. فـآدم متز يرى الحضارة الإسلامية نسيجًا مدنيًا متعدد الأعراق توحده العربية، بينما يذهب مارشال هودجسون إلى تجاوز فكرة العرق أصلًا عبر مفهوم “الإسلامي”، في حين يبيّن ديمتري غوتاس أن الترجمة لم تكن نقلًا ميكانيكيًا بل إعادة تشكيل معرفي داخل العربية، ويُظهر ريتشارد بوليت أن الهوية الإسلامية تشكّلت عبر اندماج تدريجي طويل لا عبر حدود ثابتة. وإذا انتقلنا إلى القراءة الإيرانية المعاصرة، فإن تعليق محمد علي جعفريان على أطروحات د. بشار عواد معروف يضيف طبقة أخرى من الفهم؛ إذ يرى جعفريان أن قيمة هذا النوع من الدراسات لا تكمن في إعادة توزيع “ملكية” التاريخ بين العرب والفرس، بل في تفكيك الثنائية نفسها، وإظهار أن ما جرى لم يكن صراعًا بين هويات صافية، بل تشكّلًا تدريجيًا لهوية حضارية مركّبة، أنتجت علمًا وثقافة لا يمكن ردّها إلى أصل واحد دون اختزال. ومن هنا، يتضح أن سؤال ابن خلدون، رغم أهميته، لم يعد كافيًا. فالسؤال لم يعد: من أين جاء العلماء؟ بل: ماذا يحدث للمعرفة حين تدخل العربية؟ وكيف تتحول اللغة إلى مركز حضاري قادر على الامتصاص دون أن يذوب، وعلى التأثير دون أن ينغلق؟ في ضوء ذلك، تسقط ثنائيات كثيرة: عرب/عجم، أصل/فرع، ناقل/مبدع. وتبقى فكرة واحدة أكثر صلابة من غيرها: أن العروبة، في بعدها التاريخي الحضاري، لم تكن انغلاقًا عرقيًا، بل فضاءً لغويًا ومعرفيًا مفتوحًا، أعاد تشكيل الداخلين إليه بقدر ما أعادوا هم تشكيله. ولو عاد ابن خلدون اليوم إلى نصه، لربما لم يتراجع عنه، لكنه سيطلب أن يُقرأ كما كُتب: أنه محاولة تفسير لا حكمًا نهائيًا. أما نحن، فلن نكون قد أنصفناه إلا حين نكمل ما بدأه: بقراءة أوسع عند د. ناجي معروف، وعمق تاريخي عند د. بشار عواد معروف، ووعي مقارن عند من قرأوا التجربة الإسلامية من الداخل والخارج، من فلهاوزن وشبولر إلى متز وهودجسون وغوتاس وبوليت، وصولًا إلى جعفريان الذي أعاد التأكيد أن التاريخ الإسلامي لا يُقرأ كصراع هويات، بل كتشكل حضاري طويل ومعقد. وهكذا لا يعود الجدل بين عرب وعجم، بل بين طريقتين في قراءة التاريخ: قراءة تختزله في الأصل، وقراءة تراه في الأثر.