شقاوة الكبار
خاضت الكاتبة البريطانية الأشهر “جيه. كيه. رولنج” J. K. Rowling، مؤلّفة سلسلة روايات “هاري بوتر” Harry Ptter الشهيرة تجربة نشر روايةً باسمٍ مُستعار، حين أصدرت رواية بوليسية بعنوان “نداء الوقواق” The Cuckoo’s Calling، باسمٍ رجالي هو “روبرت جالبرايث” Robert Galbraith في عام 2013. وكشفت صحيفة “سنداي تايمز” الحقيقة حين تساءلت: “كيف يُمكن لمؤلّف مُبتدئ، ينشر للمرّة الأولى كتابة مثل هذا العمل المتميّز”!؟ وصرّحت “رولنج” للصحيفة بعد ذلك بالقول: “لقد وددتُ أن أحتفظ بهذا السرّ لفترة أطول قليلاً.. فقد كان من الرائع أن تنشر كتاباً دون ضجيج أو توقّع، فضلاً عن المُتعة الخالصة في أن تتلقّى ردود الفعل على العمل باسم مُختلف..”. وقالت إنها بدأت الكتابة باسمٍ مُستعار لتُثبت لنفسها أنها قادرة على نشر كتابٍ لقيمته؛ وليس لعوامل أُخرى. ومع أن المؤلّفة عانت بعض الشيء في البداية في نشر الرواية، حين رفضتها بعض دور النشر، إلا أن الأمر اختلف بعد انكشاف السرّ وحقّقت الرواية مبيعات قياسية جعلت “رولنج” تُصدر سلسلة من الروايات البوليسية تصدّرت قائمة مبيعات الكُتب في السنوات التالية. وهذا يشي بأن المعايير في صناعة النشر – حتى في الغرب – ليست عادلةً دوماً، وأن النجومية والشُّهرة هي الطريق السريعة للنشر وليست الموهبة! وهذا ما سبق أن أثبتته تجربة الروائية الإنجليزية الشهيرة “دوريس ليسنج” Doris Lessing، الحاصلة على جائزة نوبل وهي في قِمّة شُهرتها، في عام 1981، حين أقدمت على كتابة روايةً تحت اسمٍ مجهول لترى ردّ فِعل الناشرين والنُقّاد والجمهور على هذا العمل! واختارت الكاتبة اسماً مُستعاراً وهو “جين سمرز” Jane Somers لتضعه على غلاف رواية “يوميات جارة طيّبة” The Diary of a Good Neighbour. ثم عمدتْ إلى إعطاء مخطوطة الرواية إلى وكيلها الأدبي، وطلبت منه أن يُرسلها إلى الناشرين؛ باعتبارها الرواية الأولى لصحفية تكتب تحت اسمٍ مُستعار! ولكن المخطوطة رُفضتْ من قِبَل ناشرين إثنين من دون إبداء أسباب، ولكن دار النشر الثالثة، وتُدعى “مايكل جوزيف” Michael Joseph وافقت على النشر، بل جاء في تقريرها: “أن الرواية تُذكّرنا بالكاتبة “دوريس ليسنج” في شبابها”! وقرّرت دار النشر إعطاء المؤلّفة مبلغ ألفي جنيه إسترليني مُقدّماً، وهو مبلغٌ سخيّ بالنسبة لِما يتقاضاه المؤلّفون المغمورون عادةً، كما طلبت إجراء بعض التعديلات في الرواية، فقامت “ليسنج” بإجرائها وإعادتها إلى دار النشر. وعندئذ فقط كشفت المؤلّفة عن شخصيّتها الحقيقية، وطلبت من الدار إبقاء الأمر سِرّاً، ليروا كيف تشقّ الرواية طريقها بنفسها. وتحدّد موعد صدور الرواية في ربيع عام 1983، وصمّمتْ دار النشر على القيام بحملة دعاية جيّدةٍ لها، فأرسلت قبل صدورها نُسَخاً أولية إلى 19 من الشخصيات الأدبية؛ كرؤساء تحرير الصّحف ونُقّاد الكُتب والإذاعة البريطانية، على أمل أن يتحمّس أحدهم للكتابة عن الرواية قبل صدورها أو بعد صدورها بقليل. ولكن شيئاً من ذلك لم يحدث، والنُقّاد في الحقيقة معذورون في ذلك لأنهم يتلقّون سيلاً لا ينقطع من الكُتب الجديدة، فقد صدرت في بريطانيا خلال ذلك العام أكثر من خمسة آلاف رواية، وإذا لم تكُن هناك علاقة ثِقَة أو اهتمام خاصّ بين الناقد والكاتب؛ فنادراً ما يهتمّ النُقّاد بالأسماء الجديدة. وبعد صدور الرواية في الأسواق، لم تلحظها سوى صحيفة “الأوبزرفر”، التي قالت عنها في نُبذةٍ مُختصرة، أنها: “مُتفاوتة الأجزاء من حيث الجودة”، وكذلك صحيفة “الفايننشال تايمز” التي نوّهتْ “بدفئها”، وفيما عدا ذلك تجاهلها كلّ النُقّاد وعارضو الكُتب وبقيّة الصّحف والمجلات الأدبية، كما لم تُشر إليها برامج الكُتب الجديدة في الإذاعة البريطانية. وبعد مرور عدّة أشهر، فجّرتْ صحيفة “سنداي تايمز” القصّة، حين أجرتْ مُقابلة مع الكاتبة الشهيرة حول تلك الرواية، وقالت “ليسنج”: “إن حياة الكاتب تخلو عادةً من اللهو والمرح، ولذلك قرّرتُ أن أمزح قليلاً وأن أداعب دور النشر والقُرّاء، لقد كنت أُريد أن أهرب من قفص الشّهرة لبعض الوقت”! وفور اكتشاف الخدعة، اهتزّت الدوائر الأدبية في بريطانيا، وتناولت جميع الصّحف الرواية بالإشارة والتحليل، وعلّقت “السنداي تايمز” على القصّة قائلةً: “أنها تُثبت أن أجهزة النشر لدينا غير كافية، وأن نُقّادنا لا يحفلون إلا بالمشاهير.. إن صُحفنا تهتمّ بإرضاء كبار الكُتّاب أكثر مما تهتمّ باكتشاف الكفاءات.. وباختصار: إن كلّ ناشرينا ونُقّادنا وصُحفنا في حالةٍ تدعو للرّثاء..”!