السيرة الخفية لصوتٍ يتكوّن.

في بداياتي مع القراءة لم أكن أبحث عن معرفةٍ بقدر ما كنت أبحث عن رجفة. كنت أريد جملة تهزني من الداخل، لا فكرة تُضاف إلى ذاكرتي ثم تُنسى. كنت أقرأ كما يمد العطشان يده إلى الماء؛ لا ليتأمل صفاءه، بل ليطفئ ظمأه. وحين وقعت على نصوص مصطفى لطفي المنفلوطي، شعرت أنني لم أعثر على كاتب فحسب، بل على نبرة. نبرة تُشبه التنهد الطويل، وتُشبه أيضًا الاعتراف الذي يُقال في الظلام ولا يُراد له أن يُسمع إلا من قلبٍ إلى قلب. في النظرات والعبرات، لم تكن القصص هي التي أسرتني وحدها، بل تلك القدرة على أن يجعل اللغة كائنًا حيًا. كانت الجملة عنده تمتد، لكنها لا تترهل؛ تحزن، لكنها لا تنكسر؛ تُشفق، لكنها لا تبتذل. هناك تعلّمت أن الأسلوب ليس زخرفة، بل روح تسري في النص. وأن البلاغة ليست تكديس صور، بل حسن توزيع للضوء والظل في العبارة. غير أن الدهشة الأولى كانت امتحانًا خفيًا. فالإعجاب إذا لم يُحسن الكاتب التعامل معه يتحول إلى استعارة صوت، لا إلى اكتشاف صوت. وجدتني أكتب جملًا تشبه ما قرأت، وأشعر في الوقت نفسه أن شيئًا ما ليس لي. كأنني أرتدي ثوبًا جميلًا لكنه مفصّل على جسدٍ آخر. هنا بدأت أعي أن المحاكاة مرحلة، لكنها لا يجوز أن تكون إقامة دائمة. أن أتعلم من المنفلوطي شيء، وأن أكون المنفلوطي شيء آخر لا يليق بي ولا به. بدأ السؤال يتشكل بوضوح: من أنا حين أكتب؟ هل أنا مجموع إعجاباتي؟ أم أنا ذلك القلق الذي لا يهدأ في داخلي؟ هل أكتب لأنني أحب الحزن النبيل، أم لأن النص الذي بين يدي يحتاج فعلًا إلى هذه النبرة؟ هنا اكتشفت أن الإفراط في العاطفة مهما كان صادقًا قد يُحول النص إلى نغمة واحدة. والنغمة الواحدة، وإن كانت جميلة، تُرهق السمع إن طالت. شيئًا فشيئًا، بدأت أبحث عن توازن أعمق. قرأت طه حسين فتعلمت منه صرامة العبارة، وأن الوضوح ليس عدوّ العمق بل بوابته. وقرأت عباس محمود العقاد ففهمت أن الفكرة يمكن أن تُقال بقوة دون أن تُثقل. وتأملت لغة جبران خليل جبران فلامست جانب الرمز والصورة، وكيف تتحول الفكرة إلى مشهد، والمشهد إلى تأمل. لم أكن أتنقل بينهم لأجمع أساليبهم، بل لأكتشف المسافة التي تفصلني عنهم… وتفصلني عن نفسي. أدركت أن الأسلوب ليس قرارًا يُتخذ، بل حصيلة معايشة. الكلمة لا تولد من المعجم، بل من التجربة. حين أكتب عن فقدٍ لم أذقه، تأتي عبارتي باردة مهما حاولت تزيينها. وحين أكتب عن فكرة لم أُصارعها، تبدو الجملة وكأنها تؤدي واجبًا لا تعيش لحظة. لذلك صرت أؤمن أن على الكاتب أن يعيش أكثر مما يكتب، وأن يصمت أحيانًا ليحفظ صدق صوته. ومع التجربة جاء درس الحذف. كنت أظن أن النص يكتمل حين أضيف، فاكتشفت أنه يصفو حين أحذف. كم من فقرة أحببتها ثم شطبتها لأنها كانت جميلة أكثر مما ينبغي، أو لأنها تُظهر قدرتي لا تخدم الفكرة. في الحذف قسوة، لكنها قسوة بناءة. هناك يتجلى الفرق بين من يكتب ليُعجب، ومن يكتب ليُقنع، ومن يكتب ليبقى. تدريجيًا، صار الأسلوب عندي أقرب إلى سيرة ذاتية غير معلنة. هو مزيج من الكتب التي قرأتها، والهزائم التي مررت بها، والأسئلة التي أقلقتني ليلًا، واللحظات التي شعرت فيها بأن العالم أكبر من قدرتي على فهمه. هو أثر الطفولة في لغتي، وأثر النضج في اختياري، وأثر القلق في إيقاعي. كل مرحلة من حياتي تركت بصمتها في عبارتي، حتى صارت الجملة مرآة لا يمكن أن تُخفي صاحبها. لم يعد هدفي أن أكتب جملة بليغة، بل جملة صادقة. ولم يعد يغريني أن أدهش القارئ بتركيبٍ معقد، بل أن أترك في نفسه أثرًا لا يزول سريعًا. تعلمت أن التنويع في النبرة ضرورة؛ أن أسمح للنص أن يتنفس بين العاطفة والعقل، بين السرد والتحليل، بين التأمل والحسم. فالنص الذي لا يعرف إلا الحزن يضيق، والذي لا يعرف إلا البرهان يجفّ. أما النص الحي فهو الذي يتحرك كما يتحرك الإنسان: يلين ويقسو، يهدأ ويحتدم. اليوم، حين أعود إلى بداياتي، أبتسم لذلك الشغف الأول الذي قادني إلى المنفلوطي. لم يكن إعجابًا عابرًا، بل كان بوابة. ومن تلك البوابة دخلت إلى رحلة أطول: رحلة البحث عن صوتي. صوت لا يخجل من عاطفته، ولا يتورط فيها. صوت يحترم الفكرة دون أن يقتل دفئها. صوت يتغير وينضج، لكنه لا يتنكر لجذوره. الأسلوب الحقيقي لا يُولد دفعة واحدة، بل يتكون كما تتكون الملامح في وجه طفل يكبر. كل نص أكتبه إما أن يقرّبني خطوة من صورتي الأدبية الناضجة، أو يكشف لي خللًا عليّ أن أصلحه. والكتابة عندي لم تعد مجرد فعل إنتاج، بل فعل وعي مستمر: أكتب لأفهم كيف أفكر، وأراجع لأفهم كيف أقول، وأقرأ لأتأكد أن الطريق ما زال مفتوحًا نحو لغة أصدق، وأعمق، وأشد قدرة على حمل المعنى دون أن تنكسر. وهكذا لم تعد دهشة المنفلوطي نهاية الحكاية، بل بدايتها. لقد علمني أن أؤمن بقوة الأسلوب، ثم علمتني التجربة أن أبحث عن أسلوبي أنا. وبين الدهشة والاكتشاف، تكونت رحلتي… رحلة لا تزال مستمرة، لأن الصوت الخاص ليس محطة نصل إليها، بل أفق نسير نحوه ما دمنا نكتب.