في مديح الخطأ

كانت النصيحة قديماً تُشترى بـ “جمل”، أما اليوم فقد باتت تُبذل بالمجان، بل وتسكب سكباً في آذاننا حتى فقدت قيمتها. لم تعد المعرفة حبيسة جدران مدرسة، ولا أسيرة محراب مسجد، ولا رهينة شيخ أو طيّة كتاب نادر؛ بل أصبحت تنهمر علينا من كل ثغرة رقمية — منشورات، مقالات، كتب مسموعة — حتى استحال العقل البشري إلى “خزان” ضخم يملؤه الجميع بضجيجهم ولا يشرب منه أحد. وسط هذا السيل الجارف من “المعلوماتية”، استوقفتني صورة رمزية لثلاثة أوعية تلخص فلسفة التعلم: الوعاء الأول في أسفله القليل من اللون الأحمر يمثل التعلم النظري، الوعاء الثاني يغطي اللون الرمادي نصفه ويمثل الممارسة، أما الوعاء الثالث فيفيض باللون الأصفر ويمثل التعلم بالخطأ. تلك الصورة لم تُقنعني بقدر ما أوقفتني… جعلتني أفكّر: لماذا نستميت في تجنب الجزء الأهم من رحلة الوعي؟ ولماذا نخشى ذلك “اللون الأصفر” الذي يمنح الحياة لمعارفنا؟ في هذه اللحظة تحديدًا، وُلد هذا المقال. في ثقافتنا، الخطأ وصمة. نعتذر عنه كأنه جريمة ونحاول محوه من سِيَرنا الذاتية كأنه لم يكن. لكن الكون، منذ بدايته، لم يبنِ شيئاً يستحق إلا على أنقاض ما انكسر. فلولا مطاردة جابر بن حيان لحلم تحويل المعادن الرخيصة لذهب، وإخفاقه في نيل ما ينشده، لما وضع حجر الأساس لكيمياء العصر. ولولا خطأ كولومبس في تقدير محيط الأرض وهو يمني النفس بطريق مختصر للهند لما قذفت به الأمواج إلى شواطئ “العالم الجديد”. ولم تتوقف الأخطاء عند حدود الجغرافيا، بل نفذت إلى عمق المادة؛ فلولا قطعة مطاطٍ سقطت سهواً على موقد الكيمائي *تشارلز غودير*، لما اكتشف المطاط المتين، ولما سار العالم اليوم على عجلات. ولولا وميضٌ “مزعج” باغت الفيزيائي *رونتجن* لحظة خطأ مخبري، فاستوقفه ليرى عظام يده مرسومة على الشاشة؛ لما ولدت الأشعة السينية، ولبقيت خفايا الأجساد طي الكتمان.  هذه وغيرها كانت أخطاء صغيرة، لكنها كانت الثقوب التي نفذ منها الضوء ليعيد صياغة عالمنا اليوم. الخطأ إذن ليس انحرافًا عن الطريق، بل هو الطريق حين يُجرَّب لأول مرة. هو تلك اللحظة التي ينهار فيها الوهم، ليُفسح المجال لحقيقة أكثر صلابة. من لم يخطئ، لم يحتكّ بالواقع بما يكفي؛ ومن لم يحتكّ، لم يتعلّم إلا ظلال المعرفة لا جوهرها. من حسنات الخطأ أيضاً أنه يحرّرنا من وهم الكمال، ويمنحنا شجاعة البدء. يعلّمنا ما لا تعلّمه الكتب: حدودنا، وثغراتنا، وطرق تجاوزها. يُحوّل المعرفة من معلومة جامدة إلى مهارة حيّة، ويجعل التعلم تجربة شخصية، لا مجرد نقل بارد لأفكار الآخرين.  ختامًا.. هذه ليست دعوة إلى التهاون، ولا إلى الاستهتار بالصواب. بل هي دعوة إلى أن نُعيد للغلط كرامته — لا بوصفه غاية، بل بوصفه معلماً قاسياً لكنه أمين. وأن نكفّ عن تكريم الخوف تكريمنا للحكمة، لأن الخوف من الخطأ لا يُنتج إلا شيئاً واحداً: عقولاً محشوّة بالمعلومات والخطط، لكنها خاوية تماماً من التجارب.