بشارَة النَّعيم..

في إخبارِ سُقيا القَصيم.

سَألني صاحبي الزَّميلُ الأريب: مُحمَّد المحارب الميزاني -وفَّقهُ اللهُ للبرِّ والإحسانِ- عَن سُقيا اللهِ إيَّانا في الدِّيارِ التي شَغَفَتْ قلبي، تِلكم القَصيم -دامَت في عِزٍّ وهَناءٍ مُقيم- وبالخُصوص عَن “عُيونِ الجِواء”لؤلؤة القصيم؛ كما أسماها أمير المنطقة فيصل العطاء والنَّماء، صاحب السمو الملكي الأمير د. فيصل بن مشعل بن سعود بن عبدالعزيز،حفظه الله، فأجيبُهُ مُخْبِراً: أمَّا بَعد؛ فإنَّنا نُعْلِمُ أخانا السَّائلَ، صاحبَ المَقامِ الرَّفيعِ العالي، لكَ الفَضلُ والثناءُ المُتوالي -وأصلَحَ اللهُ لنا ولهُ وتقبَّلَ منَّا ومنهُ صالحَ العَمَل- فقد أجدَبَت وأقفَرَت الأوطانُ والدِّيار، فهاظَت الرِّياحُ حتى زأرَت كزئيرِ ضِرغامٍ يَصبو مُتلهِّفاً نحو غايتِه ليأكلَ فريستَه، وضاقت علينا الأرضُ بما رَحُبَت. وأبطأَ القَحطُ والشُّحُّ وتفرَّقَت أسبابُ النَّفعِ والنَّقْع، وسارَت كقِطَعِ اللَّيلِ المُظلِمِ سيراً مُتَراتِباً مُتراكِباً، والسُّهولُ والتِّلالُ أيِسَت وذَبُلَت وأقفَرَت غِيرانُها! وأمَّا حالُ غلافِنا الجويِّ في نظرِ أصحابِنا الجُغرافيين، أو لِنقُل “المُناخِيين”: (مُثيرٌ للأتربةِ مع ارتفاعِ درجاتِ الحرارةِ! أي أنَّهُ شاحبٌ ناقمٌ). وأنَّه لم يأتِ أرضَنا غيثٌ مُنذ مُراسلتِكَ السَّابقة، وأُعلمُكَ بالحالِ الآن؛ بأنَّ الكريمَ ربَّنا -جلَّ وعلا- أسقانا ما تَزينُ بهِ البُلدان، مِن طَلٍّ ونَضْحٍ مُتطايرٍ أزالَ يَبَسَ الأرضِ وعمَّ في جَنباتِها، هَزيمٌ اقتلعَ الغُبارَ مُثيراً، بهِ أبدلَ الحالَ لحُسْنٍ مُتنمِّقٍ مُتوزِّعٍ في الأمصارِ. سُبحانَهُ المُتصرِّفُ بالأمورِ، عالِمُ خفايا الأنفسِ والشُّعورِ، شاءَت أقدارُهُ أن أرسَلَ “شَماليَّةً” أذلَّت السُّكونَ والرُّكون، فأتى الدَّويُّ المُزمجِرُ، وعادَ لنا بهَطْلٍ: “سَحٍّ مُتصبِّبٍ مِقْصَفِلٍ مُدْهَمِلٍ”! واستشعرتُ القولَ القرآنيَّ: {فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ} [سورة القمر: 11]. فكأنَّها أمامي! فَجَلجلَتِ المَثاعيبُ وخَرخرَتِ المَرازيبُ، وأفاضَ ما كان صامداً وخامداً، فسالتِ الشِّعابُ وامتَلأتِ الخَباري؛ فَفَرِحَ لهذا الضَّيفِ الرَّبانيِّ عُمومُ الحاضِرِ والباد، فحلَّ السُّرورُ جُلَّ العِباد، فقد هَنأتهم مِن بَعدِ ما قَنَطوا؛ فالحمدُ للهِ على ما أغاثَنا وأنزَلَ رحماتِه، وجادَ لنا مِن الخيرِ ما {إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ}، فلهُ الفضلُ وعظيمُ الشُّكرِ. فالتقطَ حالَنا -سُبحانَهُ- مِن القُنوطِ لِلابتهَاجِ، بسيلٍ قَلَّبَ الثَّرى وأدارَ الرَّحى، فجادَت السَّرائرُ والضَّمائرُ بكريمِ العَطاءِ وجزيلِ الوفاءِ، مِن بَعدِ انحباسٍ إلى انفراجٍ، وازيَّنَت مِن بَعدِ العُبوسِ والقَمطريرِ لبهجةٍ وأُنُسٍ. وتتابعَت هدايا السَّماءِ تُعطينا أفراحَها حتى تشقَّقَت وتشدَّقَت، وأظهَرَت الأرَضون زُخرُفَها، وبعثَت للحُشودِ بنَفعِها، وبزغَت بَراعمُ الزُّهورِ مِن بَعدِ ذُبولٍ إلى انفتاحٍ وقوَّةٍ، وحالُ القُلوبِ الرَّاحةُ والسُّرورُ والحُبورُ المُمتدُّ الذي أصابَ عُمومَ الأمصارِ وعمَّ بِنوالِه. وحَالُ فُؤَادِي قَبْلَ لِسَانِي إِذْ سَطَّرَ يَقُول: تِلْكَ “القَصِيمُ” وسحره فِي بَوَادِيهَا أَخْطِي “الرُّوَيْدَا” وَقُرْبِي يَلْعَبُ المَطَرُ هَذَا مَا جُدْنَا بِهِ فِي صَنِيعِ الكَرِيمِ الوَهَّابِ بِدِيَارِنَا المُبَارَكَةِ، وَهَذَا فَيْضُ الشُّعُورِ مِنْ صَبَابَةٍ وَبِشْر. فاللَّهمَّ يا رؤوفُ يا رَحيم، احفَظ قادتَنا ومواطنينا وبلادَنا عامَّة، وأسبِغ علينا مِن عظيمِ فَضلكَ، والسَّلامُ على مَن اتَّبعَ الهُدى ورحمةُ الله،،،