رؤية 2030 وضعتهما في مكانة بارزة..

الثقافة والسياحة قطبان يلتقيان.

الثقافة بما لها من العموم والشمول أصبحت موصولة ومرتبطة بحياة كل منا بلا استثناء بل وملامسة لوجدانه وخلجاته وإبداعاته وملكاته. ولعلنا قد نستغرب ويتملكنا العجب إذا أدركنا أن هذه الكلمة «الثقافة» - كما نعرفها اليوم بهذا التكوين الحرفي والصياغة اللفظية - لم تكن مطروقة أو مألوفة أو معروفة عند العرب الأوائل إذ لم ترد في أشعارهم وأقوالهم وأمثالهم وخطبهم وحكمهم بهذا المصطلح الشائع الذي نتداوله اليوم، كما أنها لم ترد في القرآن الكريم بهذا النطق اللفظي والسياق الحرفي، بيد أنَّ الجذر اللغوي والمعنى الدلالي لها والمكون من الحروف الثلاثة (ث ق ف) ورد في القرآن الكريم بمعنى الهيمنة والأخذ والاستحواذ والتمكين كما في قوله تعالى: «ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا» ‎﴿آل عمران:١١٢﴾‏ وكذلك في الآية الكريمة: «فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِم مَّنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ ‎﴿الأنفال:٥٧﴾‏، وأيضا في الآية الكريمة: «إِن يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً» ‎﴿الممتحنة: ٢﴾‏. كما أن صيغة «الثقاف» استخدمت في القرون الأولى للدلالة على أداة تُقوَّم بها السهام والرماح ويُسوَّى اعوجاجها، كذلك بمعنى الصقل والتهذيب والتقويم الفكري والسلوكي على سبيل المجاز من تقويم الرماح والسيوف، وفي الأمثال يقال: «فلان أثقف من سَنُّور» يعني أنه أسرع وأذكى وأحدّ في التقاط واختطاف الأشياء، لأن السنور (نوع من أنواع القطط) معروف بخفته ورشاقته وسرعة حركته وخطفه للفريسة، ويُضرب هذا المثل أيضًا لوصف شخص حاد الذكاء والبصيرة وسريع الفطنة والحركة في الاستيلاء على شيء ما. كما تظهر في معانٍ مختلفة كأن نقول: «ثَقِفَ الشيءَ ثَقْفًا» أي حذقه وصقله وأجاده وملك ناصيته. ومع مرور الزمن في تاريخ اللغة العربية الحديثة يجمع علماؤها والمهتمون بها على أن مفهوم «الثقافة» ظهر بأشكاله الحديثة في أوروبا في القرن التاسع عشر، مشتقاً من الكلمة اللاتينية «culture» التي تطورت لتعني تنمية العقل وصقل الروح والوجدان. ولقد تطور معنى هذه الكلمة الحديثة تطوُّرًا دلاليًا ولغويًا ومعنويًا عبر الزمن حتى صار لها ذلك التعريف العلمي الشهير الذي صاغة عالم الأنثروبولوجيا (علم الإنسان) إدوارد تايلور حيث وصفها بأنها: «ذلك الكلُّ المُركَّب الذي يشمل المعارف والعادات والتقاليد والمعتقدات والفنون والأخلاق والقانون والأعراف وكافة المعاني الإنسانية والمثل الأخلاقية والقيم الفكرية. وفي سياق النهضة العربية والتأثر بالفكر الأوروبي الحديث فقد شرع المفكرون العرب في البحث عن مضاهٍ ومقابل لغوي لهذه الكلمة الأجنبية المستجدة لديهم التي تُكوِّن فكر الإنسان وتُشكّل خصائص المجتمع، ولذا يُعد الأديب سلامة موسى أول من أدخل مصطلح «الثقافة» بمعناه الحديث للقاموس العربي لمقابلة ذلك المصطلح الغربي رابطاً إياه بالعلوم والآداب والمعارف ومؤكدًا أن الثقافة تقود إلى الحضارة وذلك في مقال له بعنوان: «الثقافة والحضارة» المنشور بمجلة الهلال عام 1927. ومنذ ذلك الوقت تطور معنى هذه الكلمة في اللغة العربية الحديثة تطوُّرًا دلاليًا ومعنويًا ولغويًا عبر الزمن حتى صار لها ذلك التعريف العلمي الشهير. ولقد أخذت الثقافة العربية عبر تاريخها الطويل تتفاعل مع الثقافات الأخرى أخذًا وعطاءً ومنحًا وإثراءً ودمجًا وامتزاجًا مما أدى إلى تطورها وتنوعها واتساعها وانتشارها وبخاصة ونحن نعيش في عصر يعج بالمستجدات العلمية والابتكارات التقنية التي كان لها عميق الأثر في أساليب التواصل وطرق التفاعل والأنشطة الثقافية. كما أن الانفتاح على الثقافات المختلفة من خلال السفر والسياحة والتواصل العالمي يساعد في تبني عناصر يمكن لها من تغيير التقاليد القائمة والعادات الموروثة، مما يعزز من الوعي الثقافي ويساعد في التعلم الذاتي ويدعم التعليم غير التقليدي ويشجع على التفكير النقدي وظهور أشكال جديدة من الفنون تعكس الثقافات العربية المعاصرة إلى جانب توفير خيارات ترفيهية وثقافية متنوعة للمواطنين والمقيمين وزيادة مشاركاتهم في الأنشطة الفنية والترفيهية والثقافية والسياحية والرياضية مما يرفع مستوى الرفاهية وجودة الحياة. كما أن استخدام التقنيات الحديثة مثل الواقع الافتراضي والواقع المعزز لتقديم تجارب سياحية مبتكرة وتفاعلية ودعم المواهب والاستثمار في الكفاءات الوطنية وتدريبها يلبي احتياجات القطاع السياحي المتنامي، وفقًا لما تهدف له وتسعى إليه رؤية 2030. وتبعًا لما يشير إليه عنوان هذا المقال فإن ثمة علاقة وطيدة وصلة وثيقة تربط بين الثقافة والسياحة حيث يحتل هذان المفهومان مكانا بارزة في رؤية 2030 التي وضعت خارطة طريق لتطوير القطاع السياحي عبر تنويع الاقتصاد وإحياء التراث وإبراز الهوية الوطنية وتطوير المواقع السياحية ورفع جودة الحياة للمواطنين والسياح من خلال فعاليات متنوعة وتسهيل إجراءات الدخول (مثل التأشيرة السياحية)، مما يحوّل المملكة إلى وجهة سياحية عالمية جاذبة تخلق فرص العمل وتعزز التبادل الثقافي والفني والفكري. والسياحة في حد ذاتها ليست مجرد تنقل من مكان إلى مكان ومن بَلَدٍ إلى بلد بغية الراحة والترفيه والتنزه والاستجمام والمتعة والترويح عن النفس فحسب بيد أنها في الوقت ذاته علم وثقافة واستطلاع وخبرة ومعرفة وتجربة واستزادة وتفكُّر بكل ما يحيط بالإنسان من بيئات وأجواء وظواهر وأماكن ومواطن ذات أنماط مختلفة من المعالم والمظاهر والسمات والآثار والتراث وما تحتضنه من أفواجً من البشر متباينة في ثقافاتها ومعتقداتها وعاداتها وسلوكياتها ومأكلها ومشربها. إذن يمكن أن يُـعـبَّر عن السياحة وبعبارة بسيطة على أنها التغير المكاني للوسط الذي يعايشه الإنسان ولا يبرحه فترة من الزمن إما بحكم العمل الثابت أو الإقامة المستديمة. ويقترن مفهوم السياحة عادة إلى حد كبير بمفهوم الإجازة، إذ أن الإنسان منا في حاجة إلى بعض الوقت كإجازة يروِّح فيها عن نفسه ويبتعد فيها عن النمط الرتيب لحياته التي يحياها ويعايش أحداثها لفترات طويلة بحكم وطأة العمل والالتزامات والمسئوليات سواءً أكان موظفا أو تاجرًا أو مديرًا مسئولاً أو ممارسًا لأيِّ مهنة من المهن، فهو في حاجة لفترة من الوقت يستجم فيها ويرفه عن نفسه ويستعيد نشاطه الذي أعيته المشاغل وأنهكه الروتين وأرهقه تيار الحياة المتعب. وفوق هذا وذاك يطلع على معالم جديدة وعادات متنوعة عن طريق الاكتشاف والمعرفة والانفتاح على ثقافة الآخرين. والسياحة في حد ذاتها تجربة فريدة تعني الاختلاط بشعوب ذات تقاليد متباينة وعادات مختلفة وثقافات مغايرة ولغات متعددة، كما أن لها فوائد ومزايا في اكتساب تجارب وخبرات جديدة لها أثر كبير في زيادة التعارف والتآلف والتفاهم والتعاون وتقريب وجهات النظر بين الشعوب. وحتى يتسنى الاستفادة وإلى أبعد حد من عملية السياحة والثقافة معًا فلا بد من وضع خطة محددة للوجهة المقصودة، هذا إذا أدركنا أن السياحة قد تكون أيضًا عملية شاقة ومرهقة ومكلفة إذا لم يحسن تخطيطها وتحديد وجهتها والاستعداد لها حتى لا تنقلب إلى تجربة فاشلة وذات نتائج غير سارة وبالتالي تنتفي عملية المتعة والفائدة المرجوة منها لتصبح مجرد ذكريات محبطة مريرة قد تضع حدًّا لتطلعات ومحاولات أخرى في المستقبل. والسياحة هي كسر للرتابة في محيط حياتنا اليومية، في البيت أو المدرسة أو المكتب أو المتجر، كما هي تغيير للمكان وتجديد للعقل وتنقية للروح وانعتاق للجسد، فالسعادة التي يشعر بها الفرد عادة بأنه قادر على الاكتشاف والتغلب على مصاعب السفر ووعثائه يبعث الثقة في النفس والاعتداد بها، وكلما رأيت مناظر طبيعية خلابة ومشاهد غريبة جذابة تُسبِّح لله جل جلاله وتذكره قائلاً: سبحان الذي خلق هذا الكون وصوَّره بهذا الجمال الذي يفتن الأنظار ويسحر الألباب. ومع السياحة يطيب الخاطر وتأنس الروح وتنشرح النفس ويسير الإنسان ليرى أكثر وأكثر في أرض الله الواسعة فإذا كثير من أمراض العصر كالسكر والضغط والاكتئاب وضعف الأعصاب وتراخي العضلات تتلاشى بإذن الله وتذهب مع الترهل والسمنة التي تراكمت أيام الدعة والسكون وانعدام التنقل والحراك. وحيث إن السياحة تُعد إحدى أهم القطاعات الاقتصادية في رؤية 2030 فإن هذا المشروع سيسهم في إحداث نقلة نوعية وميلاد واجهة عالمية في مفهوم السياحة وتقليل الاعتماد على النفط وجعل السياحة رافدًا اقتصاديًا رئيسيًا يخلق فرص عمل ويدعم قطاعات الضيافة والطيران، وفقاً لـرؤية المملكة الطموحة، كما سيتم ترميم وإعداد المواقع التراثية التاريخية وتجهيزها على أسس ثقافية علمية لتكون مهيأة لاستقبال الزوار تماشيًا مع أفضل الممارسات والمناهج العالمية في مجال السياحة والآثار، كما أن ثمة معايير جديدة ستطبق للارتقاء بالسياحة والوصول بها لمستوى العالمية عبر فتح بوابة البحر الأحمر أمام العالم بغية التعريف بمحتوياته وكنوزه وخوض مغامرات جديدة تجذب السياح محليًا وإقليميًا وعالميًا على حد سواء مما يمكّن هذا المشروع السياحي ليكون بحق مركزًا لكل ما يتعلق بالترفيه والثقافة والراحة والاستجمام ونموذجًا متكاملاً للبيئة الصحية الحيوية المتكاملة. كما أن منطقة عسير تمتلك كل مقومات السياحة الطبيعية والتراثية كما تمتلك أيضا مقومات السياحة البحرية في أبهى صورها ومنها جزير كدمبل التي تعد من أجمل الجزر الطبيعية الأسطورية البكر التي تنتظر مستقبلا سياحيًا واعدًا في ظل النهضية السياحية الشاملة التي تشهدها مناطق المملكة في الآونة الأخيرة وتعتبر منتجعا لعشاق سياحة الاستجمام والاسترخاء والاستمتاع بالطبيعة ولتنضم إلى قائمة الجزر الأسطورية الساحرة التي تتمتع بها المملكة، وكانت هذه الجزيرة من أبرز الوجهات في برنامج «صيف السعودية» وهو حملة سياحية وطنية شاملة تطلقها الهيئة السعودية للسياحة عبر منصة «روح السعودية» كقوة ناعمة تمثل واجهة ثقافية تجتاز الحدود الزمانية والمكانية تهدف لتعزيز السياحة الداخلية بتقديم مئات التجارب والفعاليات والعروض في وجهات متنوعة (جبلية، ساحلية، تاريخية). ولقد نجحت المملكة في تسجيل مناطق تراثية إسلامية وثقافية وأثرية في قائمة التراث العالمي لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والثقافة والعلوم (اليونيسكو) بوصفها مواقع ثقافية وتراثية ذات قيمة عاليمة للتراث العربي والإسلامي. وختامًـا، يمكن القول بأن الثقافة والسياحة صنوان أليفان بينهما علاقة تبادلية وتكاملية تربط كلا منهما بالآخر على نحو مباشر وسلس ومستدام، فالسياحة جسر للتواصل بين الأمم والشعوب تفتح عوالم رحبة وآفاقًـا فسيحة تمثل الهوية والتراث والترفيه والاستجمام والمواقع التاريخية والمتاحف والفنون والمهرجانات والحرف اليدوية والأطعمة والأشربة والعادات كما أن عوائدها تعتبر دعمًا وديمومة لرموزها التراثية ومرافقها السياحية بينما الثقافة من جانب آخر تستثمر السياحة كمنهل ثرٍّ لترسيخ الهوية الثقافية وتوسيع آفاق الفهم وإثراء العقل وتنمية الفكر وتعزيز روح الانفتاح والتعرُّف على الثقافات الأخرى ونبذ الوحدة والتقوقع والانعزال. *جامعة الملك سعود