هل أتاك حديث الذين طاروا.

كنت سأكتب العنوان بشكل مختلف لولا أنني تذكرت بأنه سبق وكتبت منذ زمن طويل تحت عنوان (الذين طاروا مع العجّة) فتراجعت حتى لا تنطبق علي مقولة (حين تجف أفكار الكاتب يبدأ التفتيش في أوراقه القديمة). هل يطير البعض فعلياً مع العجّة بمعناها المحلي لا الشامي؟ العجّة عندهم طبق البيض المخفوق الممزوج بالبقدونس والبصل والتوابل. أما العجّة عندنا فهي تعني هبوب ريح على شكل دوامة هوائية تُثير الغبار وتكنس في طريقها العمودي كل ما يعترض مسيرتها من مخلفات خفيفة الوزن كأوراق الشجر وقطع الكرتون وأكياس البلاستيك وما في حكمها. أما الآدمي الذي يطير مع العجة وليس الذي تُطيّره العجة لخفّة وزنه وربما عقله، فهو ذاك الذي يدخل الزوبعة بطوعهِ واختياره سواء عن قناعةٍ ذاتيه أو بفعل قوة تأثير القطيع حسب (المسيو) جوستاف لوبون. أما لماذا يدخل أحدهم في الزوبعة ويطير مع العجّة فهو السؤال المُحيّر الذي بحث عن إجابته كاتب هذه السطور. أقول دون ريب منّي ولا شكّ بأن الناس عاشت وتعيش أزمانا هادئة وأخرى صاخبة، لكن لم يشهد تاريخ الحِراك البشري مرحلة ارتباك في القِيم كما يحدث في أيامنا الحالية. زمن اختلط فيه الصدق بالكذب وتحيّر الناس ما بين مُصدّق ومُكذّب رغم اللجوء لتطبيقات الأنترنت ومُحرّكات البحث المتعددة. الذين تحصّنوا في خندق الوعي هم الذين نجوا من كنس تلك العجّة ولم يطيروا معها ولا هي جذبتهم بسرابيتها. كانوا من التعقّل لدرجة تمحيص كل قول يسمعونه أو مقطع فيديو يصل اليهم ويسألون قبل كل شيء عن مصدر اي حكاية لمزيد من التأكد لتطمئن قلوبهم كما فعل سيدنا إبراهيم عليه السلام. لا ريب بأن غياب الحقائق بسبب التأخر في الإعلان عنها لعامة الناس يعني السماح لعجّة الأكاذيب أن تعصف ويركب معها صوير وعوير واللي ما فيه خير، وتصبح الكذبة في حكم الحقيقة. •لندن