موت وميلاد.
قد تغشونا عتمة المشاعر بعد أن توهجنا بنورها، فنقف متسائلين: تلك المشاعر القديمة، أين ذهبت؟ ندرك أن التغير سنة كونية فالنهار يجر خلفه غطاء الليل، والأرض تتصحر ثم تعشوشب، والبحر يتمرد ثم يخضع.. لكنها جميعاً تعود لسيرتها الأولى دوماً. أما المشاعر، لا تعود، بل يُعاد تشكيلها لتلبس ثوباً آخر إذ يولد من موت الشعور ملامح جديدة، ونظل نحن جاثمين فيها مثل “رجل القش” واجهة لهيكل قديم محطم نحاول أن نوهم العالم بترف الشعور وما نحن إلّا محشوون ببقايا ذاكرة جافة. ربما يكون الزمن هو النحات الذي يعيد صياغتها، أو أن سقف التوقعات حين خرَّ فوق رؤوسنا جعلنا نعلق في عنق الزجاجة كي لا نهوي إلى القاع مرة أخرى. المشاعر في حقيقتها لا ترحل، بل تبعث بوجوه أخرى وتجيد التنكر، تأتي أحياناً في ثوب فارس يحمل سيف النقمة، يذيقنا علقماً بعد أن سكب في أرواحنا سُكراً. حينها، تضع الحرب أوزارها، فنستنكر ذلك الإعجاب الذي ماج في صدورنا ذات مرة، ونبني الحدود خلف أبوابٍ شرعناها يوماً بمحض إرادتنا، ونحاول استعادة الثقة التي أودعناها في قلوب من نحب فلا نجد إلا قلقاً يسكن النفس كحربٍ باردة نشعر بها ولا نراها، معركة صامتة بين العقل والقلب نُقاد فيها بلا اختيار مذعنين لها في سلّمها وحربها. إن المشاعر كالموت والميلاد؛ لا يتكرران مرتين فهي تموت في صورة حب وتولد في هيئة كره، ترحل في ثوب ثقة وتعود مرتدية عباءة الخوف، وكما لا يُبقي الموت شيئاً على حاله، كذلك الميلاد لا يمنحنا فرصة العودة إطلاقاً، بل هو بداية لشيء آخر لا يشبه إلا ذاته.. نحن نختلف عن الكون، نحن لا نعود.. وهكذا، تظل مشاعرنا رهن البداية والنهاية. غير أننا، وبرغم هذه التحولات القسرية، نملك مفاتيح لترويض هذا الطغيان الشعوري. فالوعي بما نمر به هو الخطوة الأولى؛ فمن يراقب انفعالاته يصبح أقدر على تهذيبها قبل أن تلتهمه، وهنا يأتي الصبر ليبدد السواد بالرمادية فنمنح الشعور وقته لينضج بدلاً من الاستسلام لثورته الأولى. إنّ خَفْض سقفِ التوقعات هو الدرع الذي يحمينا من الاختراق، والتقبل هو الترياق الذي يخفف قسوة الانقلابات الداخلية. مهما بدا تحول الشعور مؤلماً فما هو إلا جسرٌ نعبره نحو ضفة أكثر عمقاً. قد نفقد لذة المشاعر البكر، لكننا نكتسب بصيرة نافذة وصلابة واضحة. ففي كل “موت” لمشاعر قديمة، هناك ميلاد لمعنى جديد يفتح لنا شرفة لم نكن لنراها لولا هذا التحول. المشاعر، وإن بدت فانية كالموت، فهي في جوهرها وعدٌ دائم بالتجدد. ما علينا إلا أن نصغي إليها حين تنكسر، ونحتضنها حين تتبدل، لنكتشف في النهاية أن ما حسبناه نهاية لم يكن إلا بداية أخرى.. شخصية أكثر نضجاً، وعقلاً أكثر حكمة. إن القلوب إذا تنافر ودها مثل الزجاجة كسرها لا يُجبرُ