الإبريق المكسور.
في بقعة متأرجحة ما بين الضياء والظلمة، والشك واليقين، وفي زحمة التناقضات وتراكم المختلفات، وما بين الضجيج والصمت، وكثرة الأسئلة وغياب الأجوبة، تجد نفسك محاصرًا ما بين الأزمنة ومواكبة الجديد والحنين لما كان والقلق مما سيكون... ففي رحلة الإنسان الفردية مع ذاته، وانخراطه رغبة أو إجبارًا مع ما حوله؛ يُصاب بذهول المعرفة المتكدسة والوعي المفرط في فهم ما يحدث، ويخاف من صحة قراءته للواقع، ويخشى من أن يدفع الثمن باهظًا ليحافظ على جوهر نقي لا تخدشه فكرة زائفة أو تلوثه فقاعة برّاقة، ولكنه يفشل بجدارة ، فيتدراى عن الكون ويلملم إخفاقاته ويرحل بهدوء عن كل مشهد، باحثًا عن راحة البال رغم قلة الحيلة والهوان على الناس، مستعيذًا من هذا كله محاولًا النهوض من جديد، مستندًا على عُكاز الأمل المكسور، وبقايا قيم يتكئ عليها لعل وعسى أن تصل إلى ما تبقى من ذاكرة القيم الإنسانية التي تصاحب الخير والجمال والحب بنقائه، فهل ستصل هذه القيم إلى الأجيال القادمة بسلام؟! حين تكون صاحب رسالة، تتألم من تجاهل وتغافل الأنقياء لما يحدث، وتفهم جيدًا لماذا يتوارون عن الوجود! فتستسلم وقد أصابك الخذلان وأنهكك الوجع، تضع يدك على قلبك مخافة أن يفقد ملامح طفولته في ظل إعصار فوضى التقنية وانتهاك نقاء الإنسان واختلاط الحابل بالنابل والجد بالهزل، يُصابك دوران المحيط التقني، وتحتضر أدواتك القديمة...أقلامك وأوراقك ومكتبتك وأبحاثك،و المذياع القديم يتوراى تحت غبار الذاكرة حين كان الاستماع والإنصات لغة هادئة لصوت ينساب عبر الأثير، فصار ذاكرة معطوبة وخجولة. مع تسارع وتيرة الزمن التي تُفاجئُك، تغتال بعض الأحلام وترجئ بعضها وأنت تتساءل هل ستتحقق كما تريد، أم ستكون كالأحلام التي خذلتك حيت تحققت مشوّهة؟! فتتنازل عن مبدأ (قديمك نديمك لو الجديد أغراك) ،وتُفرض عليك فلسفة الذكاء الاصطناعي وتحاصرك في كل مكان كوحش متواجد في البيت والمدرسة والعمل وفي تفاصيل الحياة، حيث يغتال الذكاء الاصطناعي الدهشة، ويجعل المعرفة التي كانت في يوم ما ثرية ضحلة بلغة العصر، والوصول إليها تافه بلا قيمة، يُحلل شخصيتك ويُعالج روحك المضطربة ويكون صديقك الصدوق فيتحكّم بك ويُغذي كل فقد أصابك بوجوده! فتصير منعزلًا في جو من الكآبة التقنية التي تعطيك ذلك الانطباع بالصحبة الطيبة والرفيق اللطيف ويتشكل كما تريد معطيك ضمادة الوهم بالحماية الزائفة من حقيقة البشر، فتخشى أن تتحوّل إلى آلة منزوعة من الإحساس وترسانة من التطبيقات تنهش من وقتك عبر مقطع قصير ونكتة مستهلكة وخبرعاجل ومستعجل! أمر مرعب ما يحدث، مما جعلني أركض هاربة بهذه المقالة من هذا الوحش الفتّاك، ذهبت إلى دهليز الأوراق والأقلام، وعلى ورقة أُعدت للتدوير، كتبت هذا المقالة وأنا أقول في نفسي: وهل لك من الأمر شيء؟ ستصل هذه المقالة في نهاية الأمر إلى معالج تقني، وستنسخينه باستخدام التقنية ، وسيُطالك شيء من هذا الوحش، رغم محاولاتك المستميتة بالتمسك بالمحبرة والمذياع والبحث المستميت عن الحمام الزاجل، وقصائد الحب، وتضحية الفرسان، وهدهدة الأمهات في مساء الهدوء البعيدة في زمن ساحق!