في مذكرات منسية للروائي عبد الله بخيت..
بنية مخاتلة تتقاطع فيها مختلف فنون السرد من قصة قصيرة ورواية وسيرة.
في إطار التوجّه النقدي لقراءة التجربة السردية في الأدب العربي السعودي المعاصر وعلاقتها بالسيرة الذاتية وتعالقاتها مع الفنون الأخرى، فإن سرديات”مذكرات منسية” للكاتب السعودي عبد الله بن بخيت تمثل منهجاً خاصًاً ، ربما كان جديداً فيما يسمى لدى بعض الدوائر النقديّة ب “أدب الاستعادة” أو “أدب الذاكرة”، وهي - في حقيقة الأمر - استقصاء ثقافي واجتماعي لمجتمع المدينة الحديثة في المملكة العربية السعودية في العقد السادس و السابع من القرن الماضي إبان ما يعرف بمرحلة الطفرة وما قبلها بقليل ، وما تلاها مما اعترى البنية الاجتماعية من تغيّرات تمخّض عنها تشكّل قوى اجتماعية جديدة تمثّلت في الطبقة المتوسطة دينمو الحياة المدنيّة الحديثة. في إطارسرديٍّ قريب من البناء الروائي عكف الكاتب على صياغة حبكة روائيّة عمل من خلالها على تشكيل نماذج اجتماعية متعدّدة ، يستقل فيها كل نموذج بسرديّته الخاصة التي يصوغها المؤلف من خلال امتياحه من ذاكرته الخاصة بوصفه شاهداً عليها واصفاً لها ، مُتغلغِلاً في عوالمها من خلال ما يشبه (البورتريه) الذي تتبدّى فيه صورته الفكريّة و الوجدانيّة وملامحه الخارجيّة و الداخليّة في ارتباطها بالمكان وأحيائه التي تمثّل حاراتٍ متناظرة في عاداتها وسماتها وشخصياتها البارزة التي تذكّرنا بقبضايات الشام، وعتاولة مصر من (الفتوّات) الذين كانوا يمارسون سلطتهم بالقوة على سكان تلك الأحياء كما وردت في روايات نجيب محفوظ وأبطال مسلسل (باب الحارة)، ففي البطحاء يظهر حزام اليماني وهاشم وتتردد أسماء الأماكن ، مثل سوق الكويتيين وشارع الوزير وسوق الربابين وغيرها، وفي (العسيلة ) يطهر (جنجا) وعصابة (سوق الحرامية) الذي يسميه آمر النظام الإقليمي لحارات الرياض مشبها له بصدام في العراق ، وظهرمن أسماهم ب(السرابيت )نظراء أشباههم من (القبضايات والعتاولة ) في بلدان عربية أخرى ، وظهر سربوت آخر (زغاليب) وكما سبق فقد انثالت تداعيات المعالم المكانية في العسيلة ، وظهرت شخصيات أخرى ، مثل (العقيدة ) ما يستدعي إلى الذاكرة (شخصية العقيد) في (باب الحارة) ويستغرق الكاتب في تحليل شخصية(جنجا) والصورة النمطيّة للجاهل المغرور المتسيّد الذي لم ينجح في مواكبة التطور،وما ألمّ بالمدن الحديثة ، حيث استبدلت المباريات الكروية باستعراضات القوة لدى زعماء الحارات ، فانتهى به الأمر إلى الخروج من هذا المسرح الجديد الذي لم يألفه خاليَ الوفاض وقد خسرتلك الصورة التي مثُلت في أذهان أهل حارته و الحارات المجاورة مذموماً مدحوراً أمام أشبال (حوطة حالد) في مباراة كرة القدم التي يجهل قوانينها و لا يدرك التطورات الجديدة على موازين القوى ، وتحتل في تضاعيفها بُعداً رمزيّاّ حضاريّاً . ويعمد عبدالله بن بخيت في سردياته هذه إلى التماهي مع التطورات الاجتماعية ورصد المتغيّرات فيها مُحلّلاً و واصفاً ومشاهداً عن قرب ، وشاهداً عدلاً ، حيث لا يظلّ مجرد راصدٍ محايد فحسب ، بل يذهب إلى أبعد من ذلك في تفكيك ماكانزمات المجتمع عبر سلوكه وعلاقاته وزعامات حارته. وإذا كان هناك من يذهب إلى أن هذه السرديّات التي يصوغها في سياق واحد أشبه بالبنية الروائية في صميمها سيرة “مكان” قبل أن تكون سيرة “إنسان” حيث يتبدّى تقصّيه لحارات الرياض القديمة ومعالمها المكانية (منفوحة، الحارات الضيقة) فإنه يبدو حريصاً على أن يقرِن ما حلّ بالمكان من تطورات بالفعل الإنساني البشري الذي ارتبط مع المكان في علاقة جدليّة ؛ فلم يتعامل مع الأمكنة القديمة بوصفها آثاراً ؛ بل قرنها إلى ديناميّة الفعل الإنساني وحركته الجماعية النامية التي تخلّق في رحمها مجتمعٌ جديد بعمرانه وحضارته و ثقافته وتفاعلاته وحراكه. لغته تنساب في مسارب سلسة عبر معجمها المحلّي ومسحتها الساخرة حيناً ، المدجّجة بمعجمها المحلّي وكثافة الأعلام في طابعها الشعبي الدالّ على غرائب الألقاب، الحافل بالدلالة عبر إيقاعها الصوتيّ وطابعها الغرائبيّ بإيقاعاته الشعبية ذات التفرّد في تجمّع حروفها، وهي في مجملها ألقاب و ليست أسماء مألوفة ، وهو حريص على نقلها بالأسلوب السائد في تلك المرحلة التاريخيّة في صيغ تعليليّة تحرص على التقاط أدق التفاصيل . “دون أي سبب يدعو إلى ذلك انفجرت عندها الحناجر اختلطت كلمات الترحيب بالتصفير و التصفيق؛ ولأن الجمهور الحاضرجمهور كرة في الأساس تقاذفت التعليقات المتنوعة بما فيها التعليقات الثقيلة” ص108 إذ تُلاحظ النزعة التعليليّة التصويريّة الوصفيّة في مفرداتها التي يحرص فيها على نقل المشهد بتفاصيله مُسلّطاً عدسته على جوانبها المختلغة ؛ ليس هذا فحسب ؛بل إنه يعمد إلى متابعة الحركة في أدقِّ دقائقها وشحن مفرداتها بطاقة حسّية تعبيريّة أشبه بالتشكيل المشهدي السينمائي الذي يتابع ويلاحظ ، وينقل أدقّ الإشارات ويلاحق التحوّلات ، و لا يكتفي بوصف المشهد ؛ بل ينقل السيناريو الذي يبدو فيه المُشاهد عبر لغة الجسد ودقّة الاهتمام و المتابعة وعلاقة الجوارح بعناصر المكان ومجاراة حركة الزمن ، ونقل ردّات الفعل النفسية و الحركية التي تتساوق مع عناصر الصورة على خشبة المسرح ، ثم ينطلق في التحليل و التأويل عبر مَلَكة المتابعة فينتقل من الخاص إلى العام مفسِّرا للوقائع المشاهدة التي يسلكها في سياق المرحلة الزمنية ، مُنتَقّلا من الخاص إلى العام ؛ إذ تحدّث عن رواج الاسطوانات الشفّافة في ذلك الزمن وانتشارها في (البِكمات) حيث بلغ سعر بعضها مئتين وخمسين ريالاً ، وشيوعها بين فئات من المجتمع مثل المراهقين و النساء، وذكر أعلام الغناء في ذلك الزمان التي بيعت اسطوانتهم وراجت في الأسواق . و مما يُلاحظ في أسلوبه الانتقالات المتعدّدة من (الخطاب) إلى (التاريخ) على حد تعبير الشكلانيين الروس الذين يقصدون بالتاريخ توالي سرد الأحداث و بالخطاب تعقيبات السارد عليها وتحليلها ، وهو لا ينخرط في استعراضات مجازيّة أو إيقاعات ىصوتية في لغته ؛ بل يحرص على مسألة الإدهاش عبر ما يمكن أن يعرف بظاهرة (التغريب) اللغوي أي الخروج عن المألوف في الأعمال الروائية من الإيهام بالواقع إلى التأكيد على التخييل ، كذلك من صياغة الجمل وتنغيمها إلى الصدمة المتولّدة عما هو سائد في اللغة الأدبية ، و التعامل مع اللغة اليومية بنكهتها الشعبيّة المحايدة حيناً و المثيرة حيناً آخر ، ما يجعل المتلقي موقناً بواقعية الحدث والنزوع السيري الذي يجعل المؤلف متحدّثا عما يتصل بتعبيره عن ذاته وتجاوبه مع مشاهداتها . وذلك واضح من نزوعه إلى الرغبة في أن يكون شاهداً على عصر مضى وانقضى ؛ فهو ينقله بحذافيره بوصفه معاصراً له متابعا لدقائق أحداثه معبّراً عن مسلكيات أهله وثقافتهم السائدة؛ وتلك لعمري من خصائص النهج السيرذاتي . هذا النهج يجعل سرديّاته تُصنّف في منطقة وسطى(رماديّة) توصف لدى بعض النقاد ب(التخييل الذاتي) وهو مصطلح أطلقه الناقد الفرنسي (دوبرو فسكي) معبّراً فيه عن المنطقة (الرمادية) في السرد بين الواقع و الخيال التي يقترب فيها من مفهوم السيرة الذاتية ؛ فهي ليست مما يعرف عن ذلك الفن في التزامه الصدق و نقل الحقيقة ، وعلى الرغم مما يبدو حتى من عنوان كتاب المؤلف (ذكريات منسيّة ) أنها امتياح من مشاهداته وإطلالاته على مجريات الحياة في عصره دون التزام بما يعرف بميثاق البوح بالحقيقة في واقعيتها و صدقها ؛ فهو ميّال إلى استثمار أساليب السرد الروائي من حيث إطلاق العنان للخيال في أسلوبه والحرص على منطق الصّدمة عبر التركيز على العنصر الدرامي، والتشكيل الفني للشخصيات و تجسيدها في حراكها الدائم على النحو المألوف في الكتابات الدراميّة و الملحمية التي تتخذ المذكرات قناعاً ؛ ولأن استخدامه لكلمة (مذكرات في العنوان) يجعل القاريء يلتقط ما يشير إلى أنها تخصُّ مؤلفها، وتلامس تجاربه الذاتية ؛ ولكنه يعبّر من خلال هذه العتبة عن خصوصيّة مشاهداته وإطلاله على حياة مجتمعِه و معاصيره معنِيّاً بنقل مشاهدته للحراك العام في تلك المرحلة، مُستحضراً لتلك الحقبة المبكّرة من حياته ليعيد إنتاجها من جديد مؤرّخاً لتلك الفترة الزمنية التي عاشها في انتقائيّة إدراكيّة واعية هادفة. ولعل أهم ما يلفت الأنظار في هذا الكتاب الغوص في صميم البنية الاجتماعية وواقعها وثقافتها في مدينة عريقة هي الرياض بما انطوت عليه من ظواهر ، وما سادها من تقاليد اجتماعيّة تجعلها أقرب إلى ما كان سائدا في الجغرافيا العربية على امتدادها من الخليج إلى المحيط ، كما فعل نجيب محفوظ في أعماله الروائية وتركيزه على الأحياء الشعبية؛ فكانت عناوين عدد من رواياته تحمل أسماء الحارات الشعبيّة التي اهتمّ فيها بتصوير الحياة في تلك الحارات ، وكان بعضها يتماهى مع الرموز الفكريّة كما في روايته الشهيرة (أولاد حارتنا) التي ذهب فيها إلى عمق تجاوز فيه المألوف في السرديّات التقليديّة إلى أبعاد تأويليّة بعيدة المدى ، ولهذا فإنني لا أتفق مع من ذهب إلى الادّعاء بأن الكاتب قد كسر “التابو” الاجتماعي متحدّثاً عن المسكوت عنه في حياة المجتمع السعودي القديم، متجاوزاً الصورة النمطية “المثالية” للماضي ، فهناك أعمال روائية سعودية مثل القارورة” لـ يوسف المحبميد يعمد فيها الى التقاط مظاهر الحياة الاجتماعية في فضاءاتها المكانية ، وما طرأ عليها من تغيّرات رسم فيها جغرافيا الرياض وتحوّلاتها،وتتقاطع فيها ظواهر سيريّة وتحليليّة بعينٍ فاحصة تخترق السجف في السيرة والتحليل السوسيولوجي في نمط سرديٍّ قريب مما ذهب إليه البخيت الذي اهتمّ بالطبقات الشعبية وما انتابها من تحوّلات بسبب الإيقاع السريع للتغيّرات الاجتماعية ، وكذلك الحال فيما يتعلق ب” سقيفة الصفا” لـ حمزة بوقري التي يَعدّها بعض النقاد عملاً رائداً في الاهتمام بسيرة المكان في الرواية السعودية ؛ حيث انصبّ الاهتمام بسيرة مكة المكرمة في حقبة الأربعينيّات الميلاديّة ، غير أن كاتبنا تميّز بمنهجه الخاص في التوصيف والجرأة في ذكر التفاصيل ، ويصف البعض منهجه بالواقعي القاسي حين يسلّط عدسته على بعض الجوانب السلبية في المجتمع في تلك الحقبة، والحقيقة أنها سمات ظاهرة لدى كل الشعوب في المنطقة نتيجة لعوامل تاريخيّة مشهودة ؛ فمهما كانت قاسية فهي لم تصل إلى مستوى القسوة في (الخبز الحافي ) لمحمد شكري على سبيل المثال . إننا أمام بنية سردية “مخاتلة”؛ فهي تتظاهر بأنها مذكرات مشتّتة، لكنها في العمق تأخذ بنصيب وافر من تقنيات القصة القصيرة والرواية الملحمية والسيرة الاجنماعية التي تؤطرها الذات ، فمنها من خصائص القصة القصيرة : وحدة الموقف و لحظة التنوير والتكثيف والتركيز واستقلالية الفصول و وحدتها، وفيها من الرواية العمق الذي يغوص إلى أعماق سيكولوجية ، وبناء النماذج الاجتماعية المتطورة و الأنماط البشرية والفضاءات الواسعة بخصوصيّتها و أنساقها المميزة الظاهرة و المستترة، ومثل هذا العمل لا تفي بحقه مقالة مختصرة ؛ بل دراسة واسعة مستقصِية.