معركة المعممين والمطربشين.

يُقال: أنك “تستطيع أن تقول من أنت دون أن تتفوّه بكلمة، وتستطيع الوصول إلى كلّ ما تتمنّاه في الحياة؛ إن ارتديتَ الملابس المُناسبة”. فالألبسة والأزياء تُشكّل جُزءاً لا يتجزّأ من تاريخ الحضارة الإنسانية، إذ ارتبطت ارتباطاً وثيقاً بالتطوّرات والتحوّلات التي شهدتها المجتمعات الإنسانية، مثلها مثل الفنون والعِمارة والآداب، كما تُعدّ شاهداً رئيساً على تمايزات وخصوصيات وهويّات ومُعتقدات تلك المجتمعات المختلفة، وثقافاتها وطبقاتها الاجتماعية وما داخَلها من تأثيرات خارجية. إن أنماط الألبسة وأذواقها لا تعكس جماليات المجتمع أو زينته فحسب، بل تعكس أيضاً ثقافته وقِيَمَه وأُطره الاجتماعية وأعرافه وعاداته وتقاليده. ولقد تحوّل الملبس مع مرور الزمن إلى لُغة بصرية، فهو جُزء من نظام التواصل غير اللفظي، ولُغته ترتبط بمضامين متنوّعة.. يقول عالِم الاجتماع الإنجليزي “هربرت سبنسر”، في منتصف القرن التاسع عشر: “أن الطبقات الأدنى طالما سعتْ للترقّي، عبر تقليد سِمات الطبقات الأعلى وعلاماتها المُميّزة”. وهذه النظرة الخاصة “لسبنسر” في التقليد والترقّي، سبقه إليها “ابن خلدون” في “مُقدّمته”، حين قال: “إن المغلوب مولَعٌ أبداً بتقليد الغالب، في شِعاره وزيّه ونِحلته وسائر أحواله وعوائده”. وهذا يبدو واضحاً عند الحديث عن المجتمعات العربية، فنجد أن شعوب الجزيرة العربية كانوا ولا زالوا يتمسكّون بزيّهم القومي، ولا سيما الملوك والأمراء والشيوخ ورجال الدولة وسائر المواطنين، وهذا يدلّ على اعتزازهم بدينهم وعروبتهم، وفخرهم واحترامهم للتقاليد والأعراف المجيدة التي توارثوها عن الآباء والأجداد. ولكن الوضع مُختلف في البُلدان التي عانت طويلاً من الاستعمار، فقد لعب المُستعمِر دوراً رئيساً في طمس الهويّة العربية الإسلامية فيها، وكان من بين أدواته التأثير على اللباس التقليدي، وسعى إلى فرض ثقافته وأنماط حياته على تلك الشعوب، مُعتبراً أن اللباس الوطني يُمثّل مظهراً من مظاهر التخلّف مٌقارنةً بالزيّ الأوروبي، من خلال المدارس والإدارات المدنية والجيش، فقد عمل الاستعمار على نشر اللباس الغربي، وجعله رمزاً للرّقي والتعليم والوظائف، مما أدّى مع مرور الزمن إلى تهميش الأزياء الوطنية التقليدية. فلم يكُن العرب في “مصر” مثلاً قبل الاستعمار، يعرفون شيئاً عن الملابس الأوروبية، لأن المُستشرقين والرحّالة والتُّجار الأجانب الذين وفدوا إلى بلادهم كانوا يرتدون الملابس الشرقية، فيحسبهم الناس أتراكاً، ولكن لما جاءت الحملة الفرنسية، شاهد المصريون لأول مرّة ملابس تختلف عما ألفوه. واستنكر المصريون تلك الأزياء الأجنبية، وكان الصبيان إذا رأوا شخصاً مُرتدياً البدلة الأوربية جروا وراءه صائحين: “أفندي طُزّ، أكل اللحمة وخلّى الرّز”! وإذا كان الشخص مُرتدياً القُبّعة صاحوا به: “خواجة طيطة، باع البرنيطة”! وذكر المُستشرق البريطاني “إدوارد لين” في كتابه “إنجليزي يتحدّث عن مصر”، والذي جاء لمصر سنة 1825: “أن الكلاب كانت تتجمّع حول الشخص المُرتدي للملابس الأوربية وتنبح نباحاً شديداً”! وقد أخذ “محمد علي باشا” جميع ألوان الحضارة الأوربية، ما عدا الأزياء، فقد كان المشرقيون عامّة والمسلمون خاصّة يرفضونها رفضاً باتّاً، ويرون أنها ملابس اختُصّ بها غير المسلمين. واستمرّت الحال كذلك حتى عصر “الخديوي إسماعيل”، الذي أراد تحويل مصر إلى قطعةٍ من أوربا، فترك زيّ الآباء والأجداد وارتدى البنطلون كما نعرفه الآن، أما السُترة فكانت طويلة وتُسمّى “الإسطنبولية”، واتّخذ الحذاء الأوربي، أما غطاء الرأس فكان الطربوش التركيّ. ومنذ ذلك العهد إلى بداية القرن العشرين، انقسم المجتمع المصري إلى طائفتين هما: طائفة المُعمّمين وهُم فئة يقودهم المشايخ والأزهريون الذين يرتدون الجُبّة والقُفطان والعمامة، وطائفة “الأفنديّة” الذين يرتدون البدلة الأوربية والطربوش. ودارت معركة اجتماعية طريفة بين تلك الفئتين وحفلت بأصداء وآراء مُتباينة نُشرتْ في الصّحف والمجلات، شارك فيها عددٌ من كبار الكُتّاب والأدباء والمُثقّفين.. فكتب الدكتور “طه حسين” سنة 1910، ما نَصّه: “مُخطئ كلّ الخطأ؛ صاحب الزيّ الشرقي الجميل يستبدله بالزيّ الغربي، مرضاة لهوىً كاذب وشهوة خادعة.. مخطئ لأنه ينزل عن كرامة الأمّة في عاداتها وآدابها، ليندمج في أُمّةٍ أخرى من غير حقّ ولا داعية.. نحن لا نُريد أن نُقارن بين الأزياء الشرقية والغربية، ونحكُم على أحدها بحُسنٍ أو قُبح، ولكنّا نقول: إن للشرق زيّاً تدعو إليه طبيعته، وللغرب زيّاً يقتضيه جوّه وإقليمه.. فليس تبديل الزّي الشرقي بالزّي الغربي إلا عن نفسٍ مُرتبكة مُختلِطة، ومِزاجٍ غير مُنتظم”.