في مشهدٍ يتقاطع فيه العمق الحضاري مع الحراك التنموي، تحضر المملكة العربية السعودية في اليوم العالمي للتراث واليوم العالمي للفن بوصفها نموذجًا متقدمًا لإدارة الثقافة كقطاعٍ استراتيجي، لا يقتصر على حفظ الذاكرة، بل يمتد ليصنع المستقبل. فالثقافة اليوم لم تعد نشاطًا مكمّلًا، بل أصبحت ركيزةً في بناء الاقتصاد الوطني، وأداةً فاعلة لتعزيز الحضور العالمي، ضمن مستهدفات رؤية السعودية 2030. وتشير المؤشرات إلى أن الاستثمارات في القطاع الثقافي تجاوزت 81 مليار ريال سعودي، في إطار تطوير بنية تحتية متكاملة تشمل المتاحف، والمراكز الثقافية، والمشروعات التراثية، إلى جانب استهداف رفع مساهمة القطاع إلى 3% من الناتج المحلي الإجمالي، وتوفير ما يقارب 100 ألف وظيفة، وتحقيق صادرات ثقافية تُقدّر بـ 6.4 مليارات دولار، ما يعكس تحول الثقافة إلى أحد روافد الاقتصاد الوطني. وفي هذا السياق، يبرز الدور المحوري الذي تضطلع به وزارة الثقافة السعودية، بدعم وتوجيهات القيادة الرشيدة، حيث جرى تمكين القطاع الثقافي ليكون أحد المحاور الرئيسية في رؤية المملكة، من خلال إطلاق الاستراتيجيات الوطنية، وتأسيس الهيئات الثقافية المتخصصة، وتطوير البيئة التنظيمية الداعمة للإبداع. كما يقف خلف هذا التحول جهدٌ نوعي يبذله العاملون في القطاع الثقافي—من مبدعين، وباحثين، وممارسين—أسهموا في تحويل الرؤية إلى واقع ملموس، وفي بناء مشهد ثقافي متكامل يعكس طموحات الوطن. وفي البعد التراثي، تتولى هيئة التراث مسؤولية إدارة هذا الإرث بمنهجية مؤسسية، حيث تم توثيق أكثر من 9,100 موقع أثري، ونحو 28,000 موقع تراث عمراني، إضافة إلى تسجيل 8 مواقع سعودية ضمن قائمة التراث العالمي، و16 عنصرًا ثقافيًا غير مادي لدى اليونسكو. كما يبرز قطاع المتاحف بوصفه أحد أهم أدوات حفظ الهوية، مع وجود أكثر من 300 متحف متنوع في مناطق المملكة، تمثل منصات معرفية وثقافية وسياحية. ولا يقتصر هذا الإرث على المواقع الأثرية، بل يمتد إلى الفنون المعمارية التي تُجسّد تاريخ الإنسان السعودي عبر العصور. ففي العلا ومدائن صالح، تتجلى حضارات ما قبل الإسلام من خلال العمارة الصخرية والنقوش، فيما تُبرز مدن مكة المكرمة والمدينة المنورة ملامح العمارة الإسلامية التي تمزج بين البعد الروحي والجمالي. أما الدرعية، فتقدّم نموذجًا للعمارة النجدية المرتبطة بتاريخ الدولة السعودية، في حين تعكس جدة التاريخية بطابعها الحجازي روح الانفتاح التجاري، بينما تمثل أشيقر صورة متكاملة للقرى التراثية. وفي إطار تعزيز الهوية الثقافية، يضطلع المعهد الملكي للفنون التقليدية (وِرث) بدور محوري في إحياء الفنون والحرف، فيما تواصل منصات مثل حي جاكس، وفعاليات مثل بينالي الدرعية للفن المعاصر، ترسيخ الحضور الفني عالميًا. ويبرز القطاع غير الربحي كشريك أساسي، بدعم من المركز الوطني لتنمية القطاع غير الربحي، حيث تسهم الجمعيات الثقافية في نشر الوعي وتمكين المواهب، ومن بينها الجمعية السعودية للفنون التشكيلية (جسفت)، التي تمثل نموذجًا للعمل المؤسسي في دعم الفن التشكيلي. وقد انعكس هذا التكامل على مؤشرات القوة الناعمة السعودية، من خلال استقطاب ملايين الزوار لفعاليات كبرى مثل موسم الرياض، وتزايد حضور الفنانين السعوديين عالميًا، في وقت يُقدّر فيه الاقتصاد الإبداعي عالميًا بنحو 2.3 تريليون دولار. ساحل الحرف تؤكد التجربة السعودية أن الثقافة أصبحت مشروعًا وطنيًا متكاملًا، مدعومًا برؤية طموحة، وتوجيهات قيادة واعية، وجهود مخلصة من أبناء الوطن، لتتحول إلى قوة ناعمة تُسهم في بناء الحاضر واستشراف المستقبل. إنها السعودية… حيث يُكتب التاريخ من جديد، بلغة الفن، وبأفقٍ عالمي. باحث في الإعلام الرقمي والإتصال المؤسسي *