القرية تغتسل بمطر الصباح.
تغتسل قرى وادي قوب* بمطر صباحي جميل، لتواصل الميازيب شدوها المائي عبر أنابيب خشبية وحديدية، لتفرغ ما في أحشاء الأسقف من مياه الأمطار فتندلق إلى الأرض مكوِّنة خريرًا يشنّف الأسماع. تتبدّى القرى وكأنها باقة من الورود والأزهار، زادها جمالًا تلك الجدائل الخضراء التي تتدلّى من بين شقوق الجدران الحجرية. هامات المنازل المرتفعة تزهو بجمال أخّاذ حين تنثر الشمس أشعتها البيضاء، فتنعكس أضواء مبهرة من أحجار المرو البيضاء التي تنتظم كقلائد لؤلؤية تطوّق هامات المنازل. نسائم الربيع العليلة ورذاذ المطر المتبقي يداعبان الأنوف وأكمام الأزهار وأوراق الأشجار في صباح قروي متفائل. أسقف المنازل الطينية تتشبع بالماء، لذا تتسرب عبر تشققات الأخشاب لتتساقط قطرات الماء فيما يشبه صوت نقر على سطح طبل مشدود. هنا تكون الحماية من غرق السجادات والملابس بوضع أمتعة المنزل من صحون وقدور وطيس، لتشكّل جملة موسيقية بين نقر حاد وآخر هادئ. ولما كانت الأمطار تزداد في فصلي الربيع والشتاء فإن الأهالي يطلقون على أشهر البرد «ربيعًا»، ويتدثر الرجال بعباءات صوفية تسمى «الجبّة»، أما النساء فيلبسن «المدار» وهو على شكل الجبّة بحجم أصغر، مصنوعان من صوف الغنم، تقوم بعملهما إحدى نساء القرية الفضليات بمهارة عالية. ولكي تزداد قيمتهما (الجبّة والمدار) يتم صبغهما بلون أحمر. ومثلما يبتهج الأهالي بالمطر، تتقطع نياط قلوبهم عند فقدان عزيز لديهم من جراء السيول الجارفة، حيث يختنق مجرى الوادي بماء السيل ليجرف كل الذي أمامه من أحجار وأغنام وأناس. لن أنسى الراعي الصغير الذي وقع في مغبة السيل ليجرفه دون هوادة ويقذف به في مكان بعيد، فتأخذ العاطفة الأهالي لينتشروا تحت جنح الظلام في أرجاء الوادي بحثًا عن الفقيد، مستعينين بوسائل الإضاءة التقليدية كالفوانيس والكشافات. الوادي ينبض بالحياة، إلا أنه في أحايين قليلة يغدر بمن لا يضع له وزنًا في وقت هطول الأمطار الغزيرة. طلاب المدارس يجدون في الوادي متعتهم؛ إذ يخرجون في الهواء الطلق لرسم لوحات فنية تحت إشراف معلمي التربية الفنية، ليكون الوادي والجبل والأشجار والأزهار والنحل علامات ممهورة بالألوان الزاهية في كرّاسات الطلاب. وللوادي متعة يعرفها الأطفال، حيث إن بعض البرك المحاذية تكون مسابح يتسلّى فيها الأطفال، وهي مرحلة أولى لإتقان السباحة، ليكون البئر المرحلة الثانية لمن يجيد السباحة، ولا يُستغنى عن علبة الصفيح كي تساعده في رفع جسده على سطح الماء. وحكاية الماء ليست في الأمطار التي تهطل بين الحين والآخر أو السيول الجارفة فحسب، بل إن طلاب المدرسة يهرولون إلى الوادي من أجل الوضوء، حيث إن جريانه يمتد لعدة أشهر. كما أن النسوة يجلبن الماء من الآبار بواسطة القِرَب المصنوعة من جلد الماعز، فيقمن بملء القربة بواسطة الدلاء، وحملها إلى منازلهن صعودًا فوق تلال عالية ومرورًا بمسارات بعيدة. وللوادي جمالياته لمن يتماهى خياله حبًّا وعشقًا وشعرًا؛ فالفضاء المكاني المتمثل في زرقة السماء واخضرار جنبات الجبال مع تغريد الطيور وخرير الجداول يخلق متعة لا يعرفها إلا القرويون. وفي وادي قوب وُلد الكثير من الشعراء الشعبيين والفصيح، منهم: عبدالله الزرقوي، وخرصان، وسليمان، ومحزم، والأعمى ـ ليس المقصود بشاعر قذانة ـ وسعيد الفقعسي، وغيرهم ممن ملأوا الذاكرة بروعة القصيد وجمال نسج الأبيات المكتنزة بالحكمة والنصيحة والفخر والوصف والغزل والمدح، وكذلك الهجاء. وللماء قيمته الكبيرة في نفوسهم، حيث استقت عبارات الترحيب من المطر؛ فما أن يفد إليهم ضيف حتى يغدقونه ترحيبًا: (مرحبًا هيل… عدّ السيل). ولهذه العبارة الترحيبية دلالات بلاغية وثقافية واجتماعية تجعل المستمع يشعر بالارتياح النفسي، وغدت إحدى أشهر العبارات الترحيبية في المنطقة الجنوبية. ولو فككنا العبارة لوجدنا أن الضيف في مقدار ترحيبه وضيافته لا يقل عن ماء المطر الذي فيه إرواء للمصاطب الزراعية ومنابت الشجر والآبار، وهي مصدر استقرار السكان على ذرى جبال السراة. * أحد أودية منطقة الباحة.